كرة القدم الإفريقية

بن شرقي لم يكن وحده: كيف صنع الأهلي ثلاثة أهداف من فرص الزمالك نفسها

كم مرة يمكن لفريق أن يُهدي خصمه المباراة قبل أن يدرك ما يفعله؟ الزمالك لم يُجب على هذا السؤال مساء الجمعة. بل واصل تقديم الهدايا واحدة تلو الأخرى، وفي كل مرة كان الأهلي يستلمها بهدوء، يفكّ الورق بعناية، ويضعها في الشباك.

ثلاث مرات. ثلاث هدايا. ثلاثة أهداف.

وحين صفّر الحكم النهاية على استاد القاهرة الدولي، لم يكن السؤال الحقيقي كيف فاز الأهلي. بل كان: لماذا ساعد الزمالك في بناء هزيمته بيديه؟

قبل أن تبدأ الحرب: ملعب يعرف ثقل اللحظة

لم يكن استاد القاهرة الدولي ليحتضن مباراة عادية. فالديربي في أي ظرف يحمل شحنة خاصة، لكن هذه الليلة تحديدًا كانت تحمل ما هو أثقل من مجرد المشاعر والتاريخ والتنافس القديم.

الزمالك جاء متصدرًا يسير نحو لقب يشتهيه. والأهلي جاء من موقع الملاحق الذي يعرف أن الخسارة تعني شبه وداع رسمي لأحلام الموسم. بينما بيراميدز، ذلك الطرف الثالث الصامت، كان يراقب من بعيد ويعلم أن نتيجة الديربي ستُعيد رسم خارطة الدوري بالكامل.

ثلاثة فرق، مباراة واحدة، وموسم كامل في الميزان.

الزمالك يبدأ ويُضيع

بدأ الزمالك المباراة بالطريقة الصحيحة. ضغط مبكر، روح هجومية، ورغبة واضحة في حسم الأمور قبل أن تتعقد.

في الدقيقة الرابعة أطلق عدي الدباغ تسديدة قوية كادت أن تجد طريقها إلى الشباك لولا القائم الذي تدخّل في اللحظة المناسبة.

وفي الدقيقة 13 وصلت كرة داخل منطقة الجزاء إلى ناصر منسي وحيدًا تمامًا، في الوضع الذي يحلم به أي مهاجم، فسدّدها بعيدًا عن المرمى كأنه لم يرَ ما رآه الجميع.

لحظتان، فرصتان، ولا شيء.

النادي الأهلي في هذه الأثناء لم يكن في أفضل حالاته. كان يتلمّس طريقه ويحاول أن يجد إيقاعه وسط ضغط الزمالك وزخم جمهوره. لكنه كان صبورًا بشكل لافت، صبر من يعرف أن الفرصة ستأتي لا محالة.

ولم تأتِ الفرصة. بل أُرسلت إليه.

الهدية الأولى

طاهر محمد طاهر رسم عرضية دقيقة كالخيط المشدود، وفي الجهة الأخرى كان أشرف بن شرقي يقرأ المسار قبل أن تصل الكرة. رأسية متقنة، حارس في المكان الخطأ، وشبكة تهتز للمرة الأولى.

1-0 للأهلي.

لكن السؤال الأهم لم يكن كيف سجل الأهلي، بل لماذا سمح الزمالك بهذه العرضية أصلًا. كان الدفاع متأخرًا في القطع والغطاء على بن شرقي شبه معدوم. هدف نظيف في ظاهره، مبني على خطأ في جوهره.

الهدية الثانية، وهذه المرة بالجملة

إذا كان الهدف الأول يمكن تفسيره بالعوامل الفنية والحظ وفارق الجودة في اللحظة، فإن الهدف الثاني لا يحتاج إلى تفسير. يحتاج فقط إلى مشاهدة ما حدث مرة ثانية ومرة ثالثة حتى يتضح حجم الكارثة.

خطأ دفاعي فادح في منطقة لا تسمح بالأخطاء. أشرف بن شرقي قطع الكرة بغريزة المهاجم الذي يشم الفرصة قبل أن تُولد، مرّرها فورًا إلى حسين الشحات داخل منطقة الجزاء، والشحات لم يتردد. تسديدة من فوق الحارس ارتسمت في الشباك بأناقة مؤلمة.

2-0.

لم يكن هذا هجومًا بالمعنى الكلاسيكي. كان استغلالًا فوريًا لهدية قُدِّمت بالكامل. الزمالك أخطأ والأهلي عاقب. بهذه البساطة وبهذه القسوة.

الشوط الثاني بدأ بمشهد يُخبرك كل شيء عن الفارق النفسي بين الفريقين. الزمالك حصل على ركلة جزاء في الدقيقة 52، فرصة من ذهب لإعادة الحياة إلى مباراة تبدو في طريقها إلى الضياع. تقدّم حسام عبد المجيد نحو نقطة البياض والملعب يحبس أنفاسه.

مصطفى شوبير لم يحبس أنفاسه.

قرأ الاتجاه، قفز في اللحظة الصحيحة، وأبعد الكرة بثقة من لا يشك في قرار اتخذه قبل أن تُضرب الركلة. إنقاذ بطولي في لحظة كانت قادرة على تغيير مسار المباراة بالكامل.

الزمالك أُصيب بالذهول. والأهلي أخذ الرسالة وردّ عليها بالطريقة الوحيدة التي يعرفها.

حين يتآمر القائم مع شوبير

لم يكتفِ القدر بجزاء مُهدر واحد. في الدقيقة 65 حصل الأهلي بدوره على ركلة جزاء، فتقدّم تريزيجيه ليُعيد الفارق المريح. لكن القائم كان له رأي آخر. التسديدة ارتطمت بالعمود وعادت، ونظر تريزيجيه إلى السماء بحثًا عن إجابة لم تأتِ.

مشهد أعاد للأذهان سؤالًا قديمًا: هل ضغط الديربي يصنع ثقلًا غير مرئي على الأقدام؟

الإجابة جاءت بعد تسع دقائق لكنها جاءت بالطريقة التي لا يتوقعها الجزاء أبدًا.

بن شرقي يُغلق الكتاب

إمام عاشور رجل يُدرك متى يُسرع ومتى يُبطئ. في الدقيقة 74 أبطأ تمامًا ثم فجأة أسرع، وجد الفراغ داخل منطقة الجزاء، وسلّم الكرة إلى بن شرقي بتمريرة كأنها رُسمت على ورق قبل أن تُنفَّذ على الأرض.

المغربي لم يُفكّر. وضع قدمه اليمنى وأرسلها أرضية في الشباك بهدوء من يُنهي مهمة لا من يحسم مباراة.

3-0.

بن شرقي انتهى الليلة برصيد هدفين وتمريرة حاسمة. لكن الأهم مما سجّله هو كيف سجّل. لم يكن عبقريًا فرديًا يصنع شيئًا من لا شيء، بل كان رجلًا في المكان الصحيح يستلم ما يُقدَّم له بالشكل الصحيح. فارق بسيط في الوصف، لكنه ضخم في الدلالة.

الدقائق الأخيرة: زخم بلا ثمن

في الدقيقة 85 حاول الزمالك أن يُنقذ ما تبقى من كرامة. رأسية سيف الدين الجزيري بعد ركلة ركنية بدت واعدة، لكن شوبير كان لا يزال مستيقظًا. تصدٍّ أخير في ليلة استثنائية للحارس الذي أدار الخط الدفاعي بقدر ما أدار ذراعيه.

في المقابل اكتفى الأهلي بإدارة الوقت بهدوء الواثق من نفسه، لا بهدوء الخائف من أن تنقلب الأمور. فارق في المعنى وإن تشابها في الشكل.

الحساب النهائي: ثلاث نقاط تُعيد رسم الموسم

الأهلي وصل إلى 47 نقطة وقلّص الفارق مع الزمالك إلى ثلاث نقاط فقط. وبيراميدز الذي فاز في مباراته تساوى مع الزمالك عند الـ50 نقطة، ليجد الفارس الأبيض نفسه فجأة في موقف لم يكن يتوقعه قبل ساعات.

من الانفراد بالصدارة إلى مشاركتها مع بيراميدز، ومطاردة من الأهلي لا تبعد سوى ثلاث نقاط. في جولتين فقط.

جولتان وكل شيء مفتوح

الزمالك يلتقي سموحة الثلاثاء والأهلي يواجه إنبي. ثم في الجولة الأخيرة يصطدم الزمالك بسيراميكا بينما يخوض الأهلي اختباره أمام المصري. وبيراميدز يُكمل مشواره بمواجهة سيراميكا ثم سموحة.

ثلاثة فرق. جولتان. ولقب لا يزال يبحث عن صاحبه.

الزمالك لا يزال يملك مصيره بيديه. لكن يديه اللتين أهدتا الأهلي مباراة كاملة مساء الجمعة، تحتاجان إلى أن تتعلّما درسًا واحدًا قبل الثلاثاء:

حين تُهدي الأهلي المفتاح، لا تستغرب أن يفتح الباب.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم adblock

من فضلك قم بتعطيل adblock (حاجب الاعلانات)