في المكسيك وُلد الحلم.. وفيها عاد — أيمن حسين يُعيد العراق إلى حيث ينتمي

أربعون عامًا من الحسرة والأمل المؤجل، من التأهل الذي كاد أن يكون ثم لم يكن، من الجيل الذي حمل الراية ثم أورثها لمن بعده دون أن يرى الحلم يتكرر. لكن في ليلة مكسيكية ثقيلة بالتاريخ، جاء أيمن حسين ليقول للعالم: العراق عاد.
حين تُصبح الأرض ذاكرة
ليست المكسيك أرضًا عادية في الوجدان العراقي. ففي عام 1986، على هذه الأرض بالذات، خطا “أسود الرافدين” خطواتهم الأولى والوحيدة على أرض كأس العالم.
آنذاك، صنع جيل ذهبي المستحيل وتأهّل وسط ظروف بالغة الصعوبة، ثم وقف أمام أوروغواي وبلجيكا والمكسيك بصدر عارٍ من الخبرة لكن ممتلئ بالكبرياء.
خسر الفريق مبارياته الثلاث صحيح، غير أنه لم يخذل جمهوره — وبذلك حمل رحيم حميد ورفاقه من تلك الأرض المكسيكية ذكرى لن يطمسها الزمن أبدًا.
ثم صمت الحلم.
مرّت عقود أربعة. تغيّرت الأجيال وتبدّلت الملاعب. وظلّ العراق يطرق باب المونديال فلا يفتحه أحد، حتى جاءت تلك الليلة لتغيّر كل شيء.
مشهد الافتتاح: الرأس والشبكة والصمت المُذهل
دخل العراق الملعب وكأنه لا يريد أن يمنح الخوف أي فرصة. فبعد تسع دقائق فقط، أطلق أمير العماري ركلة حرة بديعة، فتصدى لها حارس بوليفيا غييرمو فيسكارا ببراعة وردّها إلى العارضة. توقف القلب للحظة — ثم استأنف نبضه بقوة مضاعفة.
لأن دقيقة واحدة كانت كافية لقلب المشهد.
نفّذ العماري ركنية جديدة بالكمال ذاته، وفي الهواء ارتفع علي الحمادي وأطلق رأسه كالمقلاع، فعجزت يد فيسكارا عن الوصول إليها. 1-0. وانفجرت المدرجات في احتفال عارم.
ردّة الخضر وقلب الشوط الأول
بيد أن بوليفيا لم تكن ضيفًا مستسلمًا. إذ استعادت “لا فيردي” توازنها تدريجيًا وبدأت تفرض إيقاعها على المباراة، حتى جاء هدف التعادل قُبيل نهاية الشوط الأول بأقل من عشر دقائق، وكان للحظ فيه حظّ وافر.
أطلق راميرو فاكا تسديدة غير متوقعة اصطدمت بجسد موييسيس بانياغا، فانحرفت الكرة بشكل غريب وسقطت أمامه كهدية، فاستثمرها على الفور وأودعها الشبكة من مدى قريب فاجأ حارس العراق أحمد باسل. 1-1. وعاد التوازن بطعم الغصّة.
أيمن حسين: القائد يحمل حلم الأسود
انطلق الشوط الثاني والكفتان متساويتان والقلوب مُعلّقة. وفي مثل هذه اللحظات تحديدًا يكشف الضغط الفارق الحقيقي بين لاعب وقائد.
فور دخول البديل ماركو فارجي إلى الملعب، أحدث أثرًا فوريًا حين قدّم تمريرة مُحسوبة بدقة جراحية وأوصلها فارجي إلى أيمن حسين في الموقع المثالي داخل منطقة الجزاء.
ولم يتردد القائد لحظة واحدة — ضربة واحدة، وهدف واحد، وصرخة واحدة أطلقها العراق من أعماقه. كان ذلك هدفه الثالث والثلاثين مع المنتخب، لكنه الأهم على الإطلاق.
المشهد الأخير: دقائق كالسنين
ما تلا ذلك لم يكن مباراة كرة قدم بمعناها الفني، بل كان امتحانًا صعبًا في الأعصاب. تصاعد التوتر بسرعة، وحوّل الفريقان المباراة إلى فوضى جميلة أرهقت القلوب في آنٍ واحد. فريقان يتنفسان التاريخ، كلٌّ منهما يريد الحلم لنفسه.
وفي الدقائق الأخيرة، وجد مهند علي الفرصة أمامه ليُغلق الباب نهائياً، فأطلق تسديدته.. فوق العارضة مباشرةً. تنهيدة جماعية ملأت الملعب. ومع ذلك، لم يمنح الوقت بوليفيا فرصة التعادل.
صافرة النهاية. 2-1. وأطلق العراق صرخته التي احتبست أربعين عامًا.
الجانب الآخر: بوليفيا وحلم 1994
في مقابل بهجة العراق، ثمة دموع جديرة بالذكر. فآخر مرة وطئت بوليفيا أرض المونديال كانت عام 1994، وظلّت منذئذٍ تسعى للعودة دون أن تنجح. والآن، بعد كل هذا الانتظار الطويل، ضاع الحلم مجددًا في مكسيكو سيتي. كرة القدم لا ترحم دائمًا.
المجموعة التاسعة: التحدي القادم
مع ذلك، فإن مكافأة هذا الانتصار التاريخي لن تكون سهلة. فقد وضعت القرعة منتخب العراق في المجموعة التاسعة: فرنسا الباحثة عن لقبها الثالث، والنرويج التي يقودها هالاند بعنفوان، والسنغال التي تحمل لقب إفريقيا.
مجموعة من الفولاذ بكل المقاييس — بيد أنه بعد أربعين عامًا من الانتظار، لا شيء يبدو مستحيلًا بعد الآن.