زاوية الـ VAR

سلوت جاء إلى باريس خائفاً — وغادرها بما يُثبت أن الخوف كان في محله

الخوف في كرة القدم ليس ضعفاً دائماً. أحياناً هو حكمة — معرفة بالخصم، وإدراك لحجم التحدي، واعتراف بأن ما أمامك أكبر مما تتوقع. جاء آرني سلوت إلى باريس بهذا الخوف الحكيم، وبنى خطته على أساسه.

لكن باريس سان جيرمان لم يقرأ خطته. أو ربما قرأها وتجاوزها.

على أرضية ملعب باريس، وأمام جمهور يعرف طعم الإقصاءات الكبرى، فرض فريق لويس إنريكي منطقه على المباراة من الدقيقة الأولى وحتى الصافرة الأخيرة. هدفان بلا رد، وسجل نظيف في الإقصاء يمتد لثماني مباريات، وليفربول يعود إلى أنفيلد يحمل ما هو أثقل من الخسارة — الشك في إمكانية قلب الطاولة.

الخوف كان له ما يبرره

قبل أن تبدأ المباراة، كانت الأرقام تتحدث وحدها. باريس سان جيرمان لم يخسر في ثماني مباريات إقصائية متتالية في دوري الأبطال. والأندية الإنجليزية بالتحديد تعرف هذا جيداً — أربع مواجهات ذهاباً وإياباً ضدها، وأربعة انتصارات لباريس. وكان آخرها درساً قاسياً لتشيلسي انتهى بثمانية أهداف مقابل اثنين في مجموع المباراتين.

سلوت يعرف هذه الأرقام. وحين وصل إلى العاصمة الفرنسية، كان وجهه يقول ما لا تقوله التصريحات — هذه ليلة صعبة، وباريس ليس خصماً عادياً.

وبعد تسعين دقيقة، ثبت أن حدسه كان دقيقاً تماماً.

الدقيقة 11.. حين بدأ الكابوس

لم يمنح باريس ليفربول وقتاً للتأقلم. في الدقيقة الحادية عشرة فقط، أمسك عثمان ديمبيلي الكرة على الجهة اليمنى واخترق الدفاع الإنجليزي بمهارة لافتة. كان يتحرك كمن يعرف مسبقاً أين سيجد الفراغ — وفعلاً وجده.

مرّر ديمبيلي الكرة إلى ديزيري دوي، الذي سدّدها بقوة نحو المرمى. غيّرت الكرة اتجاهها بشكل مفاجئ، وتجاوزت مامارداشفيلي لتسكن الشباك. هدف يحمل في طريقه شيئاً من الحظ، لكنه في جوهره نتاج حركة ذكية وتمرير دقيق.

جلس سلوت على مقعده وعلى وجهه تعبير من يقول: “كنت أعرف”.

مامارداشفيلي.. الجدار الذي أبقى الأمل حياً

لكن ليفربول لم ينهار. وهذا بالضبط ما يجعل المباراة قصة تستحق الرواية.

تماسك “الريدز” بعد الهدف، وبدأ مامارداشفيلي يؤدي دور البطولة خلف خط الدفاع. تصدٍّ لمحاولة كفاراتسخيليا الخطيرة، وآخر لتسديدة دوي التي كانت تستحق الهدف. كان الحارس الجورجي يرفض السماح للمباراة بأن تتحول إلى كارثة، ويُبقي الأمل في قلب كل مشجع إنجليزي.

انتهى الشوط الأول بهدف واحد فارق. وفي غرفة الملابس، كان سلوت يبحث عن إجابة لسؤال واحد: كيف نعود إلى المباراة؟

الفرصة والعقاب

بعد الاستراحة، جاءت الفرصة التي انتظرها ليفربول. هوجو إيكيتيكي انفرد بالمرمى وسدّد — لكن الكرة علت فوق العارضة. فرصة ذهبية أهدرها الفرنسي، وطارت معها أفضل فرصة لليفربول في المباراة.

وفي كرة القدم، من يُهدر يُعاقَب.

في الدقيقة 65، تلقّى كفاراتسخيليا تمريرة متقنة من جواو نيفيش، توغّل داخل منطقة الجزاء بهدوء مُريب، وسدّد بسهولة في الشباك. اثنان — صفر. والمباراة تنتهي عملياً قبل ربع ساعة من صافرة النهاية.

الفار ينقذ ليفربول.. لكن الضرر وقع

في الدقيقة التالية، احتسب الحكم ركلة جزاء ضد كوناتي بعد تدخله على زاير إيمري. توقفت أنفاس الجميع. لكن تقنية الفيديو تدخّلت وألغت القرار. نجا ليفربول من الثالثة، لكن النجاة جاءت متأخرة — الضرر النفسي كان قد وقع.

وفي الدقائق الأخيرة، ارتطمت تسديدة ديمبيلي بالقائم. كأن البرنابيو أراد أن يُبقي على رقم الهدفين رحمةً بالضيف.

أنفيلد.. والمعجزة الصعبة

يعود ليفربول إلى أنفيلد بهدفين يجب عليه محوهما. ملعب عريق شهد ليالي سحرية لن ينساها التاريخ — ليالي قلبت المستحيل إلى ممكن. لكن الواقع يقول شيئاً آخر: خمس هزائم في آخر ست مباريات خارج الأرض. موسم لم يكن بمستوى التوقعات. وخصم لم يُهزم في ثماني مباريات إقصائية متتالية.

في المقابل، يواصل لويس إنريكي بناء إمبراطوريته بصبر وثبات. باريس سان جيرمان الذي عانى سنوات من الإخفاقات الأوروبية، يبدو اليوم فريقاً مختلفاً — أكثر نضجاً، وأقل تهوراً، وأعمق فهماً لما تتطلبه الليالي الكبرى.

سلوت جاء إلى باريس خائفاً. وغادرها بما يُثبت أن الخوف كان في محله.

لكن أنفيلد لم يقل كلمته بعد.

وفي كرة القدم، الكلمة الأخيرة لا تُقال دائماً في الذهاب.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم adblock

من فضلك قم بتعطيل adblock (حاجب الاعلانات)