كرة القدم الإفريقية

في رادس – الصفاقسي لم يفز، لكن الترجي هو الخاسر الأكبر

ثمة هزائم لا تظهر في النتيجة. بل تظهر في الوجوه، وفي الفرص الضائعة، وفي الصمت الثقيل الذي يخيّم على الملعب حين تُصفّر النهاية وأنت تعرف أنك كنت تستحق أكثر بكثير مما أخذت.

هذا بالضبط ما حدث في رادس مساء الخميس، حين انتهى كلاسيكو الدوري التونسي الممتاز بتعادل سلبي بين الترجي الرياضي والنادي الصفاقسي. نتيجة لم تُرضِ أحدًا، لكنها آلمت الترجي تحديدًا أكثر من أي فريق آخر.

الصفاقسي لم يفز. لكن الترجي هو من خسر.

رادس يستقبل كلاسيكو بلا مناسبة للأفراح

لم يكن ملعب حمادي العقربي ليستقبل مباراة عادية. فـ128 مواجهة سابقة بين الفريقين تجعل من كل لقاء جديد فصلًا في رواية متجددة لا تشيخ. وهو تاريخ يميل بوضوح لصالح الترجي الذي يحمل 59 فوزًا مقابل 27 للصفاقسي و42 تعادلًا.

غير أن التاريخ في كرة القدم لا يلعب في الميدان. واللاعبون الذين نزلوا الملعب الخميس لم يكونوا يفكرون في الأرقام القديمة.

كانوا يفكرون في ثلاث نقاط يحتاجها الترجي بشدة في لحظة حساسة من الموسم، وهو يقف على بُعد نقطتين من صدارة ينفرد بها النادي الإفريقي بهدوء مريب.

التسلل يسرق الفرحة

بدأ الترجي كما ينبغي لصاحب البيت أن يبدأ. ضغط مبكر، وحضور في مناطق الخطر، وهدف في الدقيقة الثامنة بدا للوهلة الأولى أن الليلة ستكون مختلفة. لكن حكم المباراة أمير لوصيف رفع علمه وألغى الهدف بداعي التسلل على الشاب أمان الله الحميضي.

كان ذلك قرارًا أوقف الزخم في مهده. فالجمهور الذي كان يستعد للاحتفال ابتلع فرحته وعاد إلى الترقب، والفريق الذي كان يمشي نحو الثقة تلقّى بذلك أول جرعة من التشكيك.

توغاي وركلة الجزاء التي كانت كافية

في المواسم الكبيرة وفي المباريات الحاسمة، تأتي دائمًا لحظة واحدة تحمل ثقل كل ما سبقها وكل ما سيأتي بعدها. والدقيقة 33 من كلاسيكو رادس كانت تلك اللحظة بعينها.

ركلة جزاء للترجي. فرصة من نقطة البياض. تقدّم محمد أمين توغاي حاملًا آمال الجمهور على قدميه. الجزائري الذي يعرف الملاعب جيدًا ولا يرتجف أمام المواقف الكبيرة، ثبّت الكرة، أخذ خطواته، وسدّد.

العارضة.

ليس الحارس. ليس الدفاع. العارضة تلك القطعة الصامتة الباردة التي لا تعرف الرحمة ولا تفهم السياق، ردّت الكرة إلى الملعب وكأنها لا تعلم أن ثلاث نقاط كانت معلّقة بها.

صمت لحظي في رادس، ثم زفير جماعي، ثم استمرت المباراة. لكن شيئًا ما تغيّر في الهواء ولم يعد كما كان.

الحكم يُنقذ الترجي من نفسه

حين اعتقد الجمهور أن الشوط الأول سيُغلق على هذا الغبن الرياضي، منح الحكم لوصيف الترجي هدية غير متوقعة. إذ أُلغي هدف الصفاقسي في الدقيقة 45 بسبب التسلل على هشام بكار.

أنقذ ذلك القرار الترجي من أن يدخل الاستراحة متأخرًا. لكنه لم ينقذه من أزمته الحقيقية، تلك الأزمة التي لا يصنعها الخصم، بل يصنعها الفريق بيديه حين يُهدر من الفرص ما يكفي لحسم عشر مباريات.

فن الإهدار في أبهى صوره

خرج الترجي في الشوط الثاني وكأنه قرر أن يُحوّل الملعب إلى دورة تدريبية في إضاعة الفرص. فلوريان دانهو، الذي يُفترض أن يكون الرجل الفارق في مثل هذه المباريات، كان حاضرًا في المكان الصحيح مرات عدة، لكن قراره كان دائمًا خاطئًا.

كذلك عاد أمان الله الحميضي، الشاب الذي سُرق منه هدفه في الثامنة، للمحاولة أكثر من مرة، إلا أن الحظ والأداء لم يتحالفا معه. وبالمثل أضاف كسيلة بوعالية اسمه إلى قائمة المُهدِرين بفرص بدت أسهل مما أثبتته اللحظات.

كان المشهد غريبًا بشكل مؤلم. فريق يسيطر ويحوز الفرص ويضغط، لكنه يعجز عن ترجمة كل هذا إلى رقم واحد على اليافطة. في المقابل، اعتمد الصفاقسي على التنظيم والصلابة الدفاعية، فنجح بذلك في الحفاظ على نظافة شباكه رغم كل الضغط الذي تعرض له.

صافرة النهاية: الصمت الأثقل في رادس

0-0. رقمان فارغان يعكسان ليلة مليئة بالأحداث والمشاعر والفرص الضائعة. حين صفّر الحكم نهاية المباراة، لم يكن الملعب يحتفل ولا يتألم بصوت عالٍ. كان ببساطة يتنهد.

وهذا هو النوع الأصعب من النتائج. لا هزيمة صريحة تُغضبك وتمضي، ولا فوز يُريحك ويمنحك الثقة. بل تعادل سلبي في كلاسيكو كان يجب أن يكون مختلفًا، يُبقيك في المكان ذاته لكنه يستنزف شيئًا أعمق من النقاط.

الحساب الذي لا يرحم

57 نقطة للترجي. نقطتان خلف الإفريقي المتصدر. ثلاث جولات متبقية فقط.

الرياضيات لا تكذب، لكنها لا تُخبرك بكل شيء. فهي لا تُخبرك مثلًا أن الترجي لم يفز في ست مباريات متتالية، وهي أسوأ سلسلة له في الموسم كله. ولا تُخبرك أيضًا أن هذه ليست مجرد نقاط ضائعة، بل هي ثقة تتآكل وزخم يتبدد في أصعب مرحلة من المشوار.

وعليه، وجد النادي الإفريقي المتصدر في هذا التعادل هدية لم يطلبها. إذ تفصله الآن نقطتان على الأقل عن مطارده، في لحظة يحتاج فيها الترجي إلى تضييق الفجوة لا توسيعها. أما الصفاقسي، صاحب 53 نقطة في المركز الثالث، فيمشي في الظل ويحلم بالمفاجأة. فهو لم يفز الليلة، لكنه أخذ ما يكفيه: نقطة في ملعب الترجي وخصم أضعف مما كان.

ما الذي خسره الترجي حقًا؟

سيقول المتفائلون إن نقطة في الكلاسيكو ليست سيئة، وسيذكّرونك بأن ثلاث جولات تكفي لقلب الترتيب. وهم محقون من الناحية الحسابية البحتة.

لكن كرة القدم ليست حسابًا فقط. إنها أيضًا إيقاع ومعنويات وثقة. وبالتالي، فإن فريقًا لا يفوز في ست مباريات متتالية يفقد شيئًا لا يظهر في جدول الترتيب. يفقد ذلك اليقين الداخلي الذي يجعل اللاعب يُحوّل ركلة الجزاء إلى هدف بدلًا من أن يُرسلها إلى العارضة، ويُحوّل الفرصة السهلة إلى احتفال بدلًا من أن يجعلها مادة للتحليل وإعادة الندم.

ولذلك، فإن الترجي لم يخسر الليلة نقطتين فقط. بل خسر مرة أخرى اليقين بأنه يستطيع حسم المباريات الكبيرة حين تحين اللحظات الكبيرة.

ثلاث جولات ووعد لم يُعطَ بعد

الموسم لم ينتهِ بعد. والرياضيات لا تزال تسمح بالمعجزات. فضلًا عن أن الترجي يعرف كيف يُحارب حين يضيق الخناق.

لكن رادس رأى الليلة فريقًا يبحث عن نفسه في مباراة كان يجب أن يجد فيها نفسه بسهولة. وبالتالي، فإن الوقت الذي كان كافيًا بات أقل، والهامش الذي كان مريحًا بات ضيقًا.

غادر الصفاقسي رادس بنقطة ونظافة في الشباك وابتسامة خفية لا يُظهرها. وبقي الترجي في رادس يحمل سؤالًا ثقيلًا لم تُجب عنه الأشهر الماضية:

متى يعود هذا الفريق إلى نفسه؟

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم adblock

من فضلك قم بتعطيل adblock (حاجب الاعلانات)