ساكا يُتابع مرتدةً.. وأرسنال يتابع حلمًا مؤجلًا منذ عقدين

كانت الساعة تقترب من منتصف الليل في أروقة فندق أتلتيكو مدريد وسط لندن، حين قرر مشجعو أرسنال أن يُعلنوا الحرب قبل أن تنطلق أي رصاصة. ألعاب نارية تشقّ سماء الليل، وصخب لا يهدأ يُطارد نوم الضيوف القادمين من إسبانيا. ربما أرادوا إخبارهم بشيء واحد: هذه الليلة لنا.
وكانت كذلك.
التاريخ يثقل كاهل الحُلم
عشرون عامًا كاملة. ليست مجرد أرقام تتراكم في سجل النتائج، بل هي جيلٌ بأكمله من مشجعي “الغانرز” وُلد ونشأ دون أن يرى فريقه يطرق باب النهائي الأوروبي الأكبر.
آخر مرة وصل آرسنال إلى نهائي دوري الأبطال كانت عام 2006، حين خسر أمام برشلونة في باريس بعد مباراة مؤلمة ظلّت جرحًا مفتوحًا في الذاكرة الأرسنالية.
لكن الجراح القديمة أحيانًا لا تُشفى إلا بلحظة واحدة، لحظة كتلك التي صنعها بوكايو ساكا في ذلك المساء الذي سيُكتب بحروف من نور في تاريخ الإمارات.
ملعب يتنفس التوقع
قبل الصافرة الأولى، كان ملعب الإمارات يتنفس بطريقة مختلفة. ليس الحماس المعتاد الذي يسبق المباريات الكبرى، بل شيء أعمق من ذلك، مزيج من الشوق والخوف والإيمان. شعب أرسنال كان يعرف في قرارة نفسه أن هذه الليلة إما أن تُعيد الحلم أو تدفنه موسمًا آخر.
لم يُخيّب الفريق ظنّهم.
أتلتيكو لا ينام على الجراح
غير أن الضيوف القادمين من مدريد لم يكونوا ضيوفًا من النوع المؤدّب الذي يجلس في ركنه ويُصفق للمضيف. أتلتيكو مدريد، تلك المدرسة التي علّمها دييغو سيميوني كيف تُحوّل الضغط إلى وقود، بدأ المباراة وكأن ليلة الألعاب النارية لم تُعكّر نومه قط.
جوليان ألفاريز، ذلك الأرجنتيني الذي يحمل في قدميه ذاكرة كأس العالم، تقدّم في وقت مبكر وسدّد من مسافة خمس عشرة ياردة، والكرة مرّت مُحاذيةً للقائم كأنها تُحذّر لا تُسجّل. وفي الدقيقة الحادية عشرة، كاد جوليانو سيميوني الابن أن يُورّط أرسنال في مشكلة لم تكن تحتمله الليلة، لولا أن ديكلان رايس كان يقرأ اللعبة بعيني حارس لا لاعب وسط.
حين تتكلم الكرات المرتدة
تدريجيًا، بدأ أرسنال يجد نفسه. جابرييل ماغالهايس يُحاول من بعيد، مايلز لويس-سكيلي يُرسل عرضية تشقّ منطقة الست ياردات دون أن تجد من يُنهيها. كانت اللعبة تتكوّن ببطء، كمياه تتجمع خلف سد على وشك الانكسار.
ثم جاءت اللحظة.
لياندرو تروسارد يُسدّد. يان أوبلاك، الحارس الصلب الذي طالما جعل أتلتيكو يبدو أمنعَ مما هو، يُبعد الكرة لكنه لا يُمسكها. والكرة المرتدة تتدحرج في الفراغ.. وثمة بوكايو ساكا.
ابن نورثولت الذي كبر على الحلم الأرسنالي، الذي يحمل رقم سبعة كما حمله الأساطير، كان في المكان الصحيح في اللحظة الصحيحة، لأن الأبطال لا يصنعون الفرص فحسب بل يُتابعون المرتدات. الشبكة تهتز، والإمارات ينفجر.
هدفٌ واحد. لكنه كان يساوي عشرين عامًا.
الشوط الثاني.. فن الصمود
ما بعد الاستراحة لم يكن أرسنال يريد أن يُقنّن، لكن الكرة أحيانًا تفرض قوانينها. في الدقيقة الحادية والخمسين، أتاحت الفوضى العارضة لجوليانو سيميوني أن يجد نفسه وجهًا لوجه مع رايا، والكرة في قدمه.. والمرمى أمامه خاليًا.
توقّف قلب الإمارات.
لكن جابرييل عاد، في تلك الأمتار الأخيرة التي تُحدد مصير الليالي الكبرى، وأبعد الكرة إلى ركنية. كانت تلك اللحظة تلخّص روح هذا الفريق كلمة واحدة: لن نسقط.
أنطوان غريزمان، الذي يعرف أن هذه آخر رقصاته في دوري الأبطال مع القميص الأحمر والأبيض قبل أن يُغادر صيفًا، حاول أن يُودّع البطولة بهدف، لكن دافيد رايا كان له بالمرصاد.
الأرقام التي تحكي قصة
تسع مرات بلا هدف في أوروبا هذا الموسم. أحد عشر فوزًا وثلاثة تعادلات دون هزيمة واحدة في البطولة كلها. خسارة وحيدة في خمسة وعشرين مباراة على أرضه. هذه ليست صدفة ولا حظًا، هذا نظام بنى أرتيتا لبنته حجرًا حجرًا على مدى سنوات كان فيها أرسنال يُعيد تشكيل هويته.
وألكسندر سورلوث في الدقائق الأخيرة أهدر آخر فرص أتلتيكو، وصافرة النهاية دوّت كأنها تُعلن ميلاد حقبة جديدة.
بودابست تنتظر
في الثلاثين من مايو، سيحطّ أرسنال رحاله في بودابست. سيواجه إما باريس سان جيرمان وإما بايرن ميونخ. ولا يهم كثيرًا من سيكون الخصم، لأن الرسالة التي بعثها ميكيل أرتيتا وجنوده هذه الليلة كانت واضحة لكل أوروبا.
هذا الفريق لا يخاف.
وبوكايو ساكا، الفتى الذي تابع كرة مرتدة في ليلة ضبابية بشمال لندن، ربما لم يُدرك في تلك اللحظة أنه لم يُسجّل هدفًا فحسب، بل فتح بابًا كان موصدًا منذ عشرين عامًا.
وخلف ذلك الباب.. حلم اسمه النهائي.