إسبانيا تكتب نهاية الحكاية الفرنسية بلا ضجيج

لم تكن هناك حاجة لضجيج كبير، ولا لأهداف استعراضية، ولا حتى لأداء مثير للجدل. فقط كرة قدم هادئة، منضبطة، وقاتلة في تفاصيلها. بهذه الروح، أسقط منتخب إسبانيا نظيره الفرنسي بنتيجة 2-0. وبلغ بذلك نهائي كأس العالم 2026 للمرة الثانية في تاريخه، منهيًا حكاية فرنسية طويلة بدت وكأنها لن تتوقف أبدًا.
بداية حذرة.. ونهاية لم تكن كذلك
انطلقت المباراة بحذر واضح من الطرفين، فالمناسبة كانت أكبر من أي تجربة اعتيادية. لكن إسبانيا بدت منذ الدقائق الأولى الطرف الأكثر ثقة بنفسه، والأكثر سيطرة على الكرة. وحاول عثمان ديمبيلي كسر هذا التوازن بتمريرة بينية ذكية نحو كيليان مبابي. إلا أن الثلاثي الدفاعي الإسباني، باو كوبارسي وبيدرو بورو وإيميريك لابورت، تكفل بإغلاق الطريق قبل أن يتحول التهديد إلى خطر حقيقي.
وبينما كانت فرنسا تبحث عن موطئ قدم، وجدت إسبانيا فرصتها من حيث لا يتوقعها أحد. فقد استغل الموهوب الشاب لامين يامال خطأ دفاعيًا من لوكاس دينيه، وانتزع الكرة بذكاء لافت. وتعرض بعدها للعرقلة داخل منطقة الجزاء، فاحتسب الحكم ركلة جزاء دون تردد. ونجح ميكيل أويارزابال في ترجمتها هدفًا في الدقيقة 22، ليمنح إسبانيا تقدمًا مبكرًا غيّر ملامح المباراة بالكامل.
ضربات متتالية تُثقل كاهل فرنسا
لم يكن الهدف وحده ما أثقل كاهل المنتخب الفرنسي. فبعد لحظات قليلة من التسجيل، خرج المدافع ويليام ساليبا مصابًا. ووجد ديدييه ديشامب نفسه مضطرًا لإعادة ترتيب أوراقه مبكرًا. ورغم بعض المحاولات الفرنسية، وأبرزها تسديدة من برادلي باركولا مرت بجوار المرمى، ظلت السيطرة إسبانية بامتياز.
واقتربت إسبانيا من إضافة هدف ثانٍ بعد خطأ من الحارس مايك مينيان. لكن دايوت أوباميكانو تدخل في اللحظة المناسبة، ومنع فابيان رويز من استغلال الموقف. وفي المقابل، أنقذ أوناي سيمون مرمى إسبانيا بخروج رائع أمام مبابي، بعد تمريرة متقنة من أدريان رابيو. وانتهى الشوط الأول بتقدم إسباني بهدف نظيف، لكنه بدا أثقل من رقمه على أرض الملعب.
الشوط الثاني.. حسم هادئ بلا رحمة
مع بداية الشوط الثاني، حاول ديشامب تصحيح المسار بإدخال مانو كونيه ثم ديزيريه دوي، بحثًا عن حلول هجومية جديدة. لكن التبديلات لم تغيّر شيئًا من واقع المباراة، بل جاء الرد الإسباني سريعًا وقاسيًا. فقد مرر بيدرو بورو الكرة إلى داني أولمو، الذي أعادها له بذكاء. وانفرد بورو بعدها بالحارس مينيان، وسجل هدفًا ثانيًا، هو الثاني له في مسيرته الدولية، ليضع النتيجة في مأمن شبه كامل.
وظن لامين يامال أنه أضاف الهدف الثالث بعد ذلك، إلا أن الحكم ألغاه للتسلل بفارق ضئيل. وحاول المنتخب الفرنسي استعادة بعض الأمل. فأطاح أوريلين تشواميني بضربة رأس فوق العارضة، بينما حوّل مارك كوكوريلا تسديدة من مبابي إلى ركلة ركنية. لكنها كانت محاولات متأخرة أمام منتخب يجيد إدارة التقدم.
نظافة تحمل توقيعًا مميزًا
واصلت إسبانيا فرض سيطرتها حتى النهاية. وكاد فيران توريس أن يضيف هدفًا ثالثًا برأسية مرت بجوار القائم، كما أهدر ديزيريه دوي فرصة استغلال خروج غير موفق من أوناي سيمون. ورغم ذلك، حافظ المنتخب الإسباني على نظافة شباكه للمرة السادسة في سبع مباريات خلال البطولة. وهذا دليل إضافي على صلابة دفاعية رافقت رحلته منذ الجولة الأولى.
أرقام تروي قصة مختلفة
يحمل هذا الفوز دلالة تتجاوز مجرد التأهل إلى النهائي. فإسبانيا لم تكن قد حققت أي فوز في الأدوار الإقصائية للمونديال منذ تتويجها باللقب عام 2010. وبهذا الانتصار، كسرت هذا الصيام الطويل في أفضل توقيت ممكن، وأمام أحد أقوى المنتخبات في العالم.
وعلى الجانب الآخر، ودّعت فرنسا البطولة بطريقة قد تكون الأصعب في مسيرتها الأخيرة. وأصبحت هذه النسخة أول نهائي من آخر ثلاث نسخ للمونديال يغيب عنه المنتخب الفرنسي. أما ديدييه ديشامب، فقد سجل رقمًا تاريخيًا شخصيًا بقيادته منتخبًا في 26 مباراة عبر تاريخ كأس العالم، ليصبح الأول في هذا الإنجاز. لكنه احتفل به بخيبة أمل ثقيلة بعد خروج مبكر من نصف النهائي.
في انتظار الخصم الأخير
بهذا التأهل، تضرب إسبانيا موعدًا مرتقبًا في النهائي مع الفائز من مواجهة إنجلترا والأرجنتين. وهذا اختبار أخير يفصلها عن لقبها العالمي الثاني. وإذا كانت هذه الليلة قد أثبتت شيئًا، فهو أن هذه الإسبانيا لا تحتاج إلى الضجيج لتكتب حكايتها. بل يكفيها الهدوء والدقة لتنهي حكايات الآخرين.