الأزوري يسقط في زينيتسا — جيل كامل يدفع ثمن أزمة لم تنتهِ بعد

ثلاث مرات. ثلاث مرات متتالية يقف منتخب إيطاليا خارج بوابة كأس العالم، ويتفرج من بعيد على احتفال يشعر أنه من حقه. بطل العالم أربع مرات، وريث أعرق تقاليد كرة القدم الأوروبية، يجد نفسه مجدداً في المكان الأكثر إيلاماً — خارج الملعب الأكبر في الكرة.
هذه المرة، كانت زينيتسا هي المدينة التي حملت الخبر المرّ. وكان ملعب بيليو بولجي مسرحاً لواحدة من أكثر ليالي كرة القدم الإيطالية قسوةً في التاريخ الحديث. والبوسنة والهرسك، التي لم تذق طعم المونديال منذ 12 عاماً، هي من سرق البطاقة الأخيرة من يد الأزوري.
حين بدا كل شيء تحت السيطرة
بدأت المباراة والضغط يملأ الهواء داخل الملعب. جمهور بوسني متعطش لحلم طال انتظاره، وإيطاليون يعرفون جيداً أن الخسارة هنا تعني الكارثة بعينها.
افتتحت البوسنة الفرص بتسديدة من خارج منطقة الجزاء أمسكها الحارس الإيطالي بسهولة. لكن بعد ربع ساعة، ارتكب حارس البوسنة خطأً فادحاً أهدى الكرة مباشرة لمنافسه خارج منطقة الجزاء. تمريرة سريعة، وتسديدة رائعة، والهدف الأول يستقر في الشباك. تقدّم إيطاليا، وبدا الطريق واضحاً.
غير أن كرة القدم لا تحترم السيناريوهات الجاهزة.
ردّت البوسنة بضراوة. العارضة تتدخل مرة، ويدا الحارس مرة أخرى، ورأسية تمر قريبة جداً من الهدف. كانت البوسنة تضرب الباب بقوة، وإيطاليا تتمسك بتقدمها بصعوبة متزايدة.
ثم جاءت اللحظة التي غيّرت مجرى كل شيء — قبيل نهاية الشوط الأول، أسقط مدافع إيطالي مهاجماً بوسنياً منطلقاً بسرعة خلف الدفاع. البطاقة الحمراء المباشرة. عشرة لاعبين، وثلاثون دقيقة في الشوط الأول لم تنتهِ بعد.
عشرة رجال وقلب لا يستسلم
دخل الشوط الثاني والبوسنة تشتمّ رائحة الفريسة. أجرى مدربها تبديلين فورياً، وبدأ الضغط يتصاعد كالموج. إيطاليا، رغم النقص العددي، كادت تضاعف الفارق في الدقيقة 60 حين انطلق مهاجمها وحيداً نحو الحارس — لكنه أخفق في التسديد. فرصة الفرج ضاعت، وهكذا تُعاقب كرة القدم من لا يستغل لحظاته.
في الدقيقة 70، أطلق لاعب بوسني تسديدة قوية تطلّبت تصدياً مذهلاً من الحارس الإيطالي. ثم رأسية أخرى أوقفها الحارس نفسه. كان الرجل يحارب وحده تقريباً خلف دفاع منهك.
لكن ما لا يمكن منعه يأتي في النهاية. في الدقيقة 80، تجاوز المهاجم البوسني الكرة فوق خط المرمى. التعادل المستحق، والأجواء في زينيتسا تنفجر فرحاً.
ثلاثون دقيقة من الجحيم
الوقت الإضافي لم يرحم أحداً. الشوط الأول منه مليء بالجدل — إسقاط مهاجم إيطالي داخل منطقة الجزاء، ومطالبات بالبطاقة الحمراء، لكن الحكم اكتفى بالصفراء. ركلة حرة، وتسديدة أوقفها الحارس البوسني ببراعة.
في الشوط الثاني من الوقت الإضافي، أطلق لاعب بوسني كرة منخفضة خرجت إلى جانب المرمى. نجا الإيطاليون مرة أخرى. لكن النجاة المتكررة لها ثمن — والثمن كان ركلات الترجيح.
ركلة واحدة تكتب التاريخ
وقف اللاعبون على نقطة الجزاء، وعلى كل ركلة تتوقف أحلام وطن بأكمله. أخفق أول لاعب إيطالي في التسديد، فيما سجّل البوسنيون ركلاتهم الثلاث الأولى بكل ثقة واقتدار. ثم اصطدمت ركلة إيطالية أخرى بالإطار، وبات المشهد شبيهاً بالعذاب.
جاء اللاعب البوسني الأخير، حمل ثقل الحلم كله على قدميه، وسدّد كرة تجاوزت الحارس الإيطالي لتستقر في الشباك. انفجر الملعب. انفجرت البوسنة.
وفي المقابل، صمت مطبق إيطالي.
الأزمة التي لا تنتهي
ثلاث نهائيات عالمية متتالية بلا إيطاليا — رقم لم يكن أحد يتخيله قبل عقد من الزمن. الأزمة ليست في نتيجة مباراة واحدة، ولا في بطاقة حمراء غيّرت المشهد. الأزمة أعمق من ذلك بكثير — جيل كامل لم يجد طريقه بعد، ومنظومة كروية تبحث عن هويتها في عالم تغيّر من حولها.
البوسنة في المقابل تكتب فصلاً جديداً من قصتها — عودة بعد 12 عاماً من الغياب، وتأهل صنعه قلب لا يستسلم وجمهور يؤمن بالمعجزات.
أما إيطاليا، فأمامها سؤال واحد لا تملك له إجابة بعد: متى ينتهي هذا الكابوس؟