
في عالم الاستثمار الرياضي، لا تقتصر الخسارة دائمًا على الصفقات الخاسرة أو الأموال المهدرة. بل إن أقسى الخسائر تأتي على هيئة “استسلام مبكر”. إنها تشبه التفريط في تذكرة يانصيب رابحة قبل إعلان الأرقام بلحظات.
هكذا يمكننا تلخيص القصة الدرامية لأكوسوا بوني إيسيان مع نادي كومو الإيطالي. هي زوجة النجم الغاني المعتزل مايكل إيسيان. بدأت قصتها بمحاولة لإنقاذ نادٍ من مقبرة الإفلاس مقابل 237 ألف يورو فقط. لكنها انتهت بهروب متعجل من كنز ثمين. هذا الكنز تحول اليوم إلى أحد ألمع المشاريع الكروية والتجارية في أوروبا.
يقف كومو اليوم شامخاً في واجهة الدوري الإيطالي (السيري آ). أصبح النادي وجهة جاذبة لأساطير اللعبة يتقدمهم الإسباني سيسك فابريغاس. يشارك فابريغاس كمالك شريك ومدرب في هذا المشروع الذي يدر الملايين.
لكن للوصول إلى هذه الصورة الزاهية، يجب علينا العودة إلى النقطة الأكثر قتامة في تاريخ النادي. وقفت زوجة إيسيان هناك على بعد خطوات قليلة من صناعة التاريخ. لكنها قررت رفع الراية البيضاء مبكرًا.
مزاد الإفلاس.. شراء الوهم أم فرصة العمر؟
تعود فصول الحكاية إلى شهر مارس من عام 2017. لم يكن نادي كومو العريق حينها سوى جثة هامدة كروياً. يمتد تاريخ هذا النادي لأكثر من 110 أعوام.
أعلنت المحكمة إفلاس النادي رسمياً في عام 2016. وفشلت ثلاث محاولات قضائية لبيعه. لم تعثر السلطات على مشترٍ واحد يجرؤ على الاقتراب من هذا الفخ المالي.
ظهرت أكوسوا بوني إيسيان كمنقذ غير متوقع في المزاد الرابع. تقدمت بعرض وحيد قيمته 237 ألف يورو للاستحواذ على النادي. يوازي هذا المبلغ بالكاد ثمن سيارة رياضية فارهة. ونفذت الصفقة تحت اسم شركة “إف سي كومو”.

كانت الصفقة منقوصة من بعض الجوانب. إذ لم تشمل العلامة التجارية الأصلية أو مركز التدريبات في “أورسينغو”. رغم ذلك، كانت طموحات أكوسوا تعانق السماء. وعدت الإدارة الجديدة بإعادة بناء الفريق الأول والنهوض بقطاع الناشئين. كما خططت لإعادة كومو إلى دوري الدرجة الثانية.
امتلكت أكوسوا نظرياً ألماسة خام بين يديها. لقد اشترت نادياً يمتلك تاريخاً في الدرجة الأولى ويرتبط بمدينة ساحرة. لكن ما خفي عنها كان أعظم بكثير.
الاستسلام المبكر.. الهروب من جحيم الديون
شراء نادٍ مفلس شيء، وإعادة تشغيله والوفاء بالتزاماته شيء آخر تماماً. هذه الحقيقة المرة تجرعتها زوجة إيسيان سريعاً.
اصطدمت المالكة الجديدة بواقع مالي مرعب بمجرد دخول صيف 2017. وجدت مستحقات متأخرة للاعبين وديوناً متراكمة. كما واجهت عجزاً تاماً عن دفع إيجار مركز التدريبات.
جاءت النتيجة كارثية للغاية. فشل النادي في استيفاء شروط التسجيل في دوري الدرجة الثالثة. لذلك عاقبته السلطات الرياضية بالهبوط إلى دوري الدرجة الرابعة (الهواة) لموسم 2017-2018.
وتحت وطأة هذه الضغوط، انهار المشروع تماماً. لم تبحث أكوسوا عن شركاء استراتيجيين أو تضخ سيولة إضافية لتحمل الصدمة الأولى. ففي أكتوبر 2017، أعلنت محكمة كومو إفلاس الشركة التي تديرها أكوسوا. حدث ذلك بعد أشهر قليلة فقط من استحواذها.
هكذا أسدلت زوجة النجم الغاني الستار على مغامرتها بسرعة خاطفة. فقدت النادي وتركت خلفها فرصة تاريخية لا تُعوض. حدث ذلك ببساطة لأنها لم تمتلك “نَفَس الاستثمار الطويل” وقدرة تحمل الأزمات.
العصا السحرية الإندونيسية.. كيف تصنع الإدارة المعجزات؟
نفضت أكوسوا يديها من غبار كومو. في المقابل، التقطت شركة “سينت إنترتينمنت SENT Entertainment” الخيط عام 2019. تدعم عائلة هارتونو الإندونيسية الثرية هذه الشركة. وهنا ظهر الفارق الشاسع بين “شراء نادٍ رخيص” وبين “امتلاك رؤية استثمارية شاملة”.
قاد الشقيقان روبرت بودي ومايكل بامبانغ هارتونو مجموعة الملاك الإندونيسيين. ونعرفهم كأغنى وأبرز رجال الأعمال في آسيا. لم يستثمروا في نادي كومو لمجرد انتشاله من وحل الإفلاس. بل جاؤوا لكتابة التاريخ.
بدأ المستثمرون رحلتهم من الصفر في دوري الهواة (الدرجة الرابعة) موسم 2018-2019. صعدوا بثبات نحو الدرجة الثالثة، ثم الثانية في عام 2021. واكتملت المعجزة في موسم 2023-2024 باحتلال وصافة “السيري بي”. هكذا عاد كومو إلى “جنة الكالتشيو” بعد غياب قسري دام 21 عاماً.
لم تدرك أكوسوا بوني حقيقة هامة أدركها الإندونيسيون ببراعة. نادي كومو ليس مجرد فريق كرة قدم. بل يمثل النادي “علامة تجارية سياحية” نائمة تنتظر الاستغلال.
تعتبر مدينة كومو وبحيرتها الشهيرة قبلة لأثرياء العالم ومشاهير هوليوود. ربطت الإدارة اسم النادي بقطاعات السياحة والضيافة والأزياء والترفيه. هكذا حوّل الملاك النادي إلى ماكينة لطباعة الأموال وتوليد الشغف العالمي.
صنع هذا المزيج العبقري بين سحر الطبيعة وكرة القدم بيئة خصبة للاستثمار. استقطب النادي أساطير مثل فابريغاس وتييري هنري كمستثمرين. وتحول كومو من نادٍ يبحث عن بضعة آلاف لسداد ديونه إلى كيان عملاق. وبلغت قيمة هذا المشروع الاستثماري مئات الملايين.
فابريغاس.. المهندس الإسباني لمعجزة “الكنز”
احتاجت الرؤية الإندونيسية إلى “عقل مدبر” على المستطيل الأخضر لتكتمل. وهنا يبرز اسم النجم الإسباني سيسك فابريغاس. كتب فابريغاس مع كومو قصة أسطورية تفوق الخيال.
بدأت الحكاية في موسم 2022/2023 حين انضم فابريغاس كلاعب وقائد للفريق. ثم قرر تعليق حذائه والانتقال إلى الجهاز الفني كمساعد في موسم 2023/2024. وأصبح لاحقاً المدرب الأول للفريق. وقاد فابريغاس فريقه نحو إنجاز تاريخي بالصعود لدوري الأضواء بعد غياب 21 عاماً.
ولم يكتفِ فابريغاس بذلك. نجح ببراعة في إنقاذ الفريق من الهبوط وتثبيت أقدامه في موسمه الأول بين كبار الكالتشيو (2024/2025).
ثم جاء الانفجار الكروي المذهل في موسم 2025/2026. قاد كومو لاحتلال المركز الرابع وقتها. ونجح في اقتناص بطاقة التأهل لدوري أبطال أوروبا.
يعتلي كومو صدارة الدوري الإيطالي اليوم في موسم 2026/2027. واستمع الفريق لنشيد الأبطال للمرة الأولى في تاريخه. هكذا يجسد فابريغاس النسخة الحية والمشرقة للكنز الثمين. هذا الكنز الذي تسرب سريعاً من بين يدي أكوسوا.
ندم العمر.. وثمن التذكرة الممزقة
تنظر أكوسوا بوني إيسيان اليوم إلى شاشات التلفاز. ترى كومو يقارع كبار إيطاليا ويجذب أنظار العالم. لا بد وأنها تشعر الآن بغصة “ندم العمر”.
نعيش هنا مفارقة درامية قاسية للغاية. فقد اشترت نادياً تاريخياً مقابل 237 ألف يورو فقط. لكنها عجزت عن الصمود لأشهر معدودة. ليأتي مستثمر آخر ويحصد ثمار هذا الكنز المدفون.
أنفق الملاك الحاليون أموالاً طائلة للوصول إلى هذه النقطة بالفعل. ولم يكن نجاح أكوسوا مضموناً على الإطلاق. لكن التاريخ لا يذكر سوى الشجعان. يخلد التاريخ من امتلك شجاعة الاستمرار في أحلك اللحظات.
دخلت زوجة إيسيان عالم الاستثمار الرياضي من بوابة فرصة ذهبية لن تتكرر. لكنها اكتفت بلعب دور عابر وقصير. وتحولت قصتها من بطلة أنقذت نادياً إلى مستثمرة متسرعة. تخلت أكوسوا عن نادٍ يقف الآن على أبواب المجد، ولما لا.. فتحها.