شمسٌ تُشرق في بورتو وتغرب في لومبارديا.. حين أنقذ الحب بوافيشتا وقتلت الديون بريشيا

لا تُكتب كل الحكايات الكروية على منصات التتويج، فبعض الأندية خلدها التاريخ بما مثلته لجماهيرها، لا بعدد كؤوسها، قبل أن تجد نفسها في معركة من أجل البقاء، لا من أجل الألقاب.
بين ضفاف نهر دويرو في بورتو البرتغالية، وضفاف نهر ميلا في لومبارديا الإيطالية، عاش عالم الكرة دراما مزدوجة.
كادت أزمات مالية تمحو تاريخًا يمتد لأكثر من قرن. لكن المشهد الختامي جاء متناقضًا تمامًا: شمس أشرقت بالتضامن والمحبة، ومنحت أملًا بالنجاة. وشمس أخرى غربت تحت وطأة الديون وأحكام التصفية القضائية الصارمة.
شروق بورتو.. ملحمة الحب في وجه الاختفاء
تبدأ القصة من بورتو، حيث تأسس نادي بوافيشتا قبل 122 عامًا. وكتب هذا النادي العريق تاريخًا استثنائيًا حين كسر احتكار الثلاثي الكبار: بنفيكا وبورتو وسبورتينغ لشبونة. وتوّج بلقب الدوري البرتغالي الممتاز موسم 2000-2001. وشارك بعدها بانتظام في دوري أبطال أوروبا مطلع الألفية.
لكن العقود الأخيرة هزّت استقرار النادي. فمنذ هبوطه عام 2008 على خلفية قضية التلاعب الشهيرة “أبيتو فينال”، عاش بوافيشتا أزمة مالية خانقة. وحتى بعد عودته للدرجة الأولى، تفاقمت مشاكله الإدارية تحت إدارة المستثمر الفرنسي جيرارد لوبيز. وقاد لوبيز من قبل مشاريع كروية أخرى دخلت أزمات مشابهة، مثل بوردو الفرنسي ورويال إكسل موسكرون البلجيكي الذي أعلن إفلاسه عام 2022.
تدهور الوضع بسرعة مع نهاية موسم 2024-2025. فقد هبط بوافيشتا، ورفض الاتحاد البرتغالي تسجيله في الدرجة الثانية أو الثالثة. فتراجع النادي مضطرًا للمشاركة في دوري منطقة بورتو المحلي. وانسحب بعد 3 مباريات فقط، إذ منعه الاتحاد من تسجيل لاعبين جدد.
ثم بلغت الأزمة ذروتها: أصدرت المحكمة حكمًا بإخلاء مقر النادي في ملعب “بيسا”، وتسليمه خاليًا من الموظفين والممتلكات قبل 31 يوليو. وطرحت السلطات أصول النادي وملعبه في مزاد علني، بعدما تعثر بوافيشتا عن سداد دفعة شهرية قدرها 55 ألف يورو، كانت مطلوبة لتأجيل التصفية ضمن ديون تجاوزت 150 مليون يورو.
ووصف مشجعو رابطة “بانتيراس نيغراس” ذلك اليوم بأنه الأكثر ظلامًا في تاريخ النادي. وفي تلك اللحظة بالذات، وقعت المعجزة.
تضامن يتجاوز الخصومة
رفضت كرة القدم أن يُطوى كتاب بوافيشتا بهذه البساطة. فأطلق المشجعون حملة دعم دولية، وجمعوا تبرعات غير مسبوقة لإنقاذ النادي وتسجيله في المنافسات الإقليمية.
ونقلت صحيفة “آس” الإسبانية أن جماهير وعشاق اللعبة حول العالم جمعوا التمويل الجماعي اللازم. وأعاد هذا التمويل تأهيل البنية التحتية للنادي، وأبعد عنه شبح الاختفاء النهائي.
لكن المفاجأة الأكبر جاءت من مصدر غير متوقع: نادي بورتو، الغريم التقليدي في المدينة، مدّ يد العون. فقد تجاوز رئيسه أندريه فيلاش-بواش عداء السنوات الطويل على أرض الملعب. وأكد أن اختفاء مؤسسة رياضية عريقة يتجاوز عمرها القرن، ليس انتصارًا لأحد، بل جرحًا في تراث مدينة بورتو الرياضي والاجتماعي.
وأعلنت بلدية بورتو، برئاسة بيدرو دوارتي، استعدادها للوقوف بجانب النادي، بشرط وضع خطة إنقاذ واقعية. وهكذا سادت روح التضامن، ومنحت بوافيشتا شريان حياة جديدًا وسط الأزمة.
غروب لومبارديا.. الديون تُسدل الستار على بريشيا
بينما أضاءت روح التضامن عتمة بورتو، شهدت قاعة محكمة في لومبارديا صمتًا حزينًا. فقد أنهت المحكمة رسميًا حقبة بريشيا كالتشيو، بعد 115 عامًا من التاريخ (1911-2026).
ولم تكن أزمة بريشيا مجرد مشكلة مالية عابرة، بل انهيارًا كاملًا لكيان بنى هويته عبر مشاركاته التاريخية. فيحمل النادي رقمًا قياسيًا كأكثر فريق شارك في دوري الدرجة الثانية الإيطالي “سيري بي”، برصيد 66 موسمًا وأربعة ألقاب. وأضاف إليها 23 موسمًا في دوري الدرجة الأولى “سيري آ”.
بدأ الانهيار في يوليو 2025، حين سحب الاتحاد الإيطالي لكرة القدم رخصة بريشيا للمشاركة في دوري الدرجة الثالثة، بسبب الديون المتراكمة والمخالفات المالية. وحاول رئيس النادي ماسيمو تشيلينو إنقاذ الوضع، رغم أن خبر الانهيار بلغه في يوم عيد ميلاده السبعين.
راهن تشيلينو على الحصول على 6 ملايين يورو من مستحقات التضامن الخاصة بانتقال ساندرو تونالي من نيوكاسل إلى توتنهام. وحاول أيضًا تسجيل الفريق في بطولات الهواة تحت 16 عامًا على مستوى المقاطعة. لكن كل المحاولات فشلت. فقد أمرت المحكمة بتحويل أموال صفقة تونالي إلى صندوق تابع للفيفا. وأصدرت حكمها النهائي بتصفية أصول النادي، وأغلقت جميع جوانبه الإدارية، بعدما تجاوزت ديونه 20 مليون يورو.
ملاذ الأسطورة التي لا تموت
تكمن الحسرة الحقيقية في القيمة المعنوية التي خسرها اختفاء بريشيا. فقد كان النادي محطة شاعرية وملاذًا فنيًا لأعظم أساطير كرة القدم.
فعلى عشب ملعب “ديل أوريتشي”، ارتدى القميص الأزرق المرصع بحرف “V” أساطير غيّروا مجرى اللعبة العالمية. فقد اختار روبرتو باجيو بريشيا ليكتب فيه الفصل الأخير من مسيرته الساحرة. وانطلقت من هذا النادي مسيرة أندريا بيرلو، المايسترو الذي تعرّف العالم على عبقريته هناك. ووجد بيب غوارديولا في بريشيا ملجأً لاستعادة بريقه الفني بعد رحيله عن برشلونة.
ومرّ من هذا النادي أيضًا نجوم كبار، منهم جيورجي هاجي ولوكا توني وأليساندرو ألتوبيلي وبرانكو وفلورين رادوتشويو ولويجي دي بياجيو وماركو ديلفيكيو وأليسيو تاكيناردي وماتياس ألميدا وماريو بالوتيلي وماريك هامشيك وساندرو تونالي، إضافة إلى المدرب روبرتو دي زيربي.
وعُرف بريشيا في التسعينيات ومطلع الألفية بأنه الفريق الذي اختار الكرة الهجومية الممتعة، في عصر سيطر عليه الدفاع الإيطالي الصارم. ومع صدور قرار التصفية، أتاح الاتحاد شعار حرف “V” التاريخي لكيان جديد باسم “يونيون بريشيا”، تأسس بنقل نادي فيرالبي سالو إلى المدينة. لكن النادي الأصلي أصبح رسميًا صفحة مطوية في سجلات التاريخ.
درس قاسٍ بين الحب وقسوة الأرقام
تفتح هذه القصة المزدوجة بابًا للتأمل في واقع كرة القدم الحديثة. فالأندية ليست مجرد أرقام في دفاتر الديون، بل هويات مجتمعية يتوارثها الأجيال.
تثبت تجربة بوافيشتا أن حب الجماهير والتضامن الرياضي، حتى من أشد الخصوم كنادي بورتو، يمنح الكيانات التاريخية فرصة جديدة للصمود. وفي المقابل، تطرح مأساة بريشيا درسًا قاسيًا: فالتاريخ العريق وحب الملايين لا يكفيان وحدهما لمواجهة سوء الإدارة وتراكم الديون، أمام صرامة المحاكم والقوانين.
أشرقت الشمس في بورتو لتعلن استمرار الحلم. وغربت في لومبارديا لتسدل الستار على حقبة كروية لن تُنسى. وتبقى الذكرى شاهدة على أن كرة القدم تجمع بين أقصى درجات الفرح وأشد ألوان الشجن.