زاوية الـ VAR

في أكثر الملاعب رهبةً في أوروبا — باريس سان جيرمان لم يشعر بالرهبة أبداً

في الليالي الأوروبية الكبيرة، يتحول أنفيلد إلى شيء مختلف تماماً. الصوت يملأ الهواء قبل الانطلاقة، والجدران تحمل ذاكرة انتصارات لا ينساها أحد ممن عاشها. جاء ليفربول إلى هذه المباراة يحمل عبء خسارة الذهاب بهدفين، ويحمل في الوقت ذاته ذكرى تلك الليلة السحرية عام 2019 حين قلب المستحيل أمام برشلونة على هذا الملعب بالذات.

لكن باريس سان جيرمان جاء وكأنه لم يسمع أياً من هذه القصص. دخل الملعب بخطوات فريق يعرف ما يريد ويعرف كيف يأخذه — ولم تُربكه رهبة المكان ولا ضجيج الجماهير ولا ثقل التاريخ.

الضربة الأولى تأتي من الجانب غير المتوقع

بدأ ليفربول المباراة بطاقة أنفيلد خلفه وأمل حقيقي في تكرار المعجزة. لكن الفرصة الأولى الخطيرة جاءت من الجانب الآخر. انطلق عثمان ديمبيلي باكراً واستغل تقدم الحارس مامارداشفيلي — لكن الحارس الجورجي تراجع في الوقت المناسب ومنع الكارثة. ثم عاد ديمبيلي مرة أخرى وسدد فوق العارضة من مسافة قريبة. رسالتان في دقائق قليلة: باريس جاء لكي يهاجم لا لكي يدافع.
ثم جاء الحدث الذي غيّر حسابات ليفربول مبكراً. اضطر المهاجم هوغو إيكيتيكي إلى مغادرة الملعب بسبب الإصابة في توقيت لم يختره أحد. خروج إجباري يُعيد ترتيب الخطط ويفرض على المدرب آرني سلوت قراراً لم يكن في جدول أعماله.

صلاح يدخل وأنفيلد يشتعل — لكن سافونوف يُطفئ الأمل

دفع سلوت بمحمد صلاح مبكراً وأنفيلد انفجر. المصري الذي يعرف هذه الليالي جيداً كاد أن يترك بصمته سريعاً. حوّل عرضية متقنة وصلت إلى إبراهيما كوناتي الذي هيأها لميلوش كيركيز — لكن الحارس ماتفي سافونوف تألق في التصدي. وقبل أن تستقر الكرة المرتدة في المرمى، تدخل ماركينيوس ومنع فيرجيل فان دايك من المتابعة.

ثلاث لمسات أنقذت باريس في ثوانٍ — وليفربول يدرك أن الليلة ستكون أصعب مما تخيّل.

عانى أصحاب الأرض في صناعة فرص أخطر قبل نهاية الشوط الأول. والمباراة تتجه إلى الاستراحة وباريس يحمل أفضليته المريحة من مباراة الذهاب سليمة دون خدش.

ليفربول يضغط وباريس يصبر

أجرى سلوت تغييرات متعددة مع انطلاق الشوط الثاني ومنح فريقه دفعة هجومية واضحة. اختبر كودي جاكبو يقظة سافونوف بتسديدة قوية أجاب عنها الحارس الفرنسي ببرود. وأضاع جو غوميز فرصة تسجيل أول أهدافه الاحترافية برأسية علت فوق المرمى في لحظة حسرة حقيقية.

ثم جاء الحدث الذي أشعل أنفيلد وأعاد الأمل للجماهير. تدخل ويليان باتشو على أليكسيس ماك أليستر داخل منطقة الجزاء — ركلة جزاء وأنفيلد ينفجر. لكن تقنية الفيديو قالت كلمتها بعد المراجعة وألغت القرار. صمت مفاجئ يقطع الفرحة قبل أن تكتمل.

دخل الشاب ريو نغوموها وبدا أن ليفربول يُعدّ هجومه الأخير. لكن باريس كان يُعدّ شيئاً آخر تماماً.

ديمبيلي يُنهي الحلم بتحفة فنية

قبل عشرين دقيقة من النهاية، استلم ديمبيلي تمريرة من خفيتشا كفاراتسخيليا خارج منطقة الجزاء. تخلص من رقابته بحركة سريعة واحدة وأطلق كرة مقوسة رائعة بقدمه اليسرى سكنت الشباك بعيداً عن متناول مامارداشفيلي.

لم يكن هدفاً عادياً. كان توقيعاً فنياً على ليلة قررها ديمبيلي منذ البداية. أنفيلد صمت وباريس احتفل في عقر الدار وسلوت نظر إلى الأرض.

حاول ليفربول بعدها لكن محاولاته جاءت خجولة لا تشبه روح المكان. وفي الوقت بدل الضائع، مرر برادلي باركولا كرة عرضية أرضية إلى ديمبيلي غير المراقب الذي أودعها الشباك ببرود القاتل المحترف. 2-0 والأمر انتهى.

التاريخ الفرنسي يُكتب في أنفيلد

بصافرة النهاية، أصبح باريس سان جيرمان أول نادٍ فرنسي يبلغ نصف نهائي دوري أبطال أوروبا لثلاثة مواسم متتالية — رقم تاريخي كُتب في أعرق ملاعب إنجلترا وأمام أشد جماهيرها حماساً. وأطاح الباريسيون بخامس فريق إنجليزي في الأدوار الإقصائية خلال موسمين متتاليين — رقم يقول بوضوح أن ما يبنيه باريس ليس مصادفة بل مشروع متكامل يعرف كيف يُعامل الإنجليز في بيتهم.

سلوت أمام سؤال أكبر من الخسارة

أما ليفربول، فيغادر دوري الأبطال للموسم الثاني أمام الفريق ذاته وبالطريقة ذاتها. موسم كامل بلا بطولات واحتمال عدم التأهل لأوروبا عبر الدوري — معادلة صعبة تضع سلوت أمام امتحان حقيقي في الأسابيع الأخيرة من الموسم.

أنفيلد أشعل الأجواء هذه الليلة كما يفعل دائماً. لكن باريس سان جيرمان جاء وفي جعبته إجابة على كل سؤال طرحه الملعب — وفي جيبه ديمبيلي الذي لم يشعر بالرهبة لثانية واحدة.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم adblock

من فضلك قم بتعطيل adblock (حاجب الاعلانات)