كيمياء الساموراي: كيف روّض اليابانيون رياح الطواحين في الدقائق الأخيرة؟
اليابان تفرض التعادل على هولندا 2-2 في مونديال 2026

كانت أمستردام حاضرةً في كلّ تمريرة، وكانت برتقالتها تُشعل الملعب كما أشعلت قلوب جيل بعد جيل. لكنّ سانتا كلارا شهدت يومًا من تلك الأيام التي تكتبها كرة القدم بيدين لا بقلم؛ إذ لم تنتهِ بانتصار، ولم تنتهِ بهزيمة، بل انتهت برسالةٍ مضمونها: اليابان قادمة.
ريح تدفع النعال الخشبية
في المجموعة السادسة من كأس العالم 2026، أطلّت هولندا بتلك الهالة الأوروبية الفخورة، إذ حملت في جُعبتها سبعة عشر مباراةً متواصلة في دور المجموعات دون هزيمة — اثنتا عشرة انتصارًا وخمسة تعادلات.
أمّا اليابان، فجاءت بسلسلتها هي الأخرى؛ ثماني مباريات بلا هزيمة، ست انتصارات وتعادلان، وسمعةٌ بنتها في مواجهات أوروبية أسقطت فيها ما كان يُعدّ راسخًا.
في البداية، حاول دونييل مالين أن يفتتح الحكاية مبكرًا، فاستثمر عرضية كودي جاكبو بتسديدةٍ تصدّى لها الحارس زيون سوزوكي ببراعة.
في المقابل، أطلق شوغو تانيغوتشي من الجهة اليسرى انطلاقةً أوصل بها الكرة إلى دايزن مايدا، غير أنّ يان بول فان هيكه لسَعَ الفرصة قبل أن تصير خطرًا حقيقيًا.
وهكذا تدحرج الشوط الأول ببطء متأمِّل. تبادل الفريقان الفرص كتبادل التحياتِ بين متنافسَين يحترمان بعضهما ولا يثقان ببعضهما.
كاد مالين يسجّل برأسيةٍ إثر ركلة ركنية نفّذها تيجاني رايندرز، إلا أنّ سوزوكي قرأ الكرة وأبعدها. ثم أرسل ميكي فان دي فين رأسيةً أخرى فوق العارضة.
بينما على الجانب الآخر، أهدر ناكامورا وأويدا فرصتين محقّقتين من داخل منطقة الجزاء — فرصتان دفعت اليابان ثمنهما لاحقًا بلائم الذاكرة الكروية.
الثور البرتقالي يكسر الباب
عند الدقيقة الحادية والخمسين، عزف الهولنديون لحن المرحلة الأولى من خططتهم. أبعد المدافعون اليابانيون ركلة حرة نفّذها رايندرز، فوصلت إلى رايان جرافينبيرخ الذي أطلق عرضيةً مُتقنة كأنها مرسومة بمسطرة.
ارتقى لها فيرجيل فان دايك، وسدّدها برأسيةٍ قوية اصطدمت بالقائم قبل أن تعانق الشباك.
هدفٌ يليق برجل يحمل على ظهره ملعبًا كاملًا منذ سنوات.
بيد أنّ اليابان ردّت في ست دقائق فقط. استلم كيتو ناكامورا تمريرة تاكيفوسا كوبو وانطلق في حركةٍ خادعة، ثم أرسل تسديدةً انحرفت عن مسارها وسكنت شباك بارت فيربروغن. غيّرت الكرة وجهتها، وكأنها هي الأخرى باتت تفهم شيئًا ما.
سومرفيل يضرب في أول امتحاناته
لم تكتفِ هولندا بالتعادل. وعلى الفور، تقدّم كريسينسيو سومرفيل — في أول ظهور له في بطولةٍ كبرى — فأطلق تسديدةً يساريةً جميلة انزلقت نحو الزاوية البعيدة دون أن يلمسها سوزوكي. هدفٌ للبكارة، غير أنه وُضع في ميزان الخسائر الكروية في نهاية المطاف.
حاول كوبو الردّ بتسديدةٍ بعيدة المدى مرّت فوق العارضة بأنفاسٍ رفيعة. وبدا الهولنديون في طريقهم إلى النقاط الثلاث.
كيمياء الدقيقة التاسعة والثمانين
ثمّة في كرة القدم لحظاتٌ تُشبه الكيمياء — تتحوّل فيها العناصر المتفرقة إلى ذهب. والدقيقة التاسعة والثمانون من عمر هذه المباراة كانت بالتحديد تلك اللحظة.
أرسل جونيا إيتو ركلةَ ركنية، فتسلّل كوكي أوغاوا وقابلها برأسيةٍ اصطدمت بجسد دايتشي كامادا، وانحرفت الكرة عن مسارها قبل أن تهبط في عمق الشباك. أهدافٌ كهذه لا يخطّط لها أحد؛ بل تنبثق من فوضى اللحظة التي يعرف الذكاء الجماعي كيف يؤثّثها.
من روّض من؟
انتهت المباراة 2-2، فوصل الفريقان متعادلَين إلى درجة النقطة. واصلت هولندا سلسلتها السابعة عشرة في دور المجموعات دون هزيمة، لكنّها خرجت بشعورٍ يشبه الهزيمة؛ فقد ضيّع الهولنديون التقدّم مرتين، وسمحوا لمنتخبٍ آسيوي بإعادة تشكيل صورتهم أمام العالم.
في المقابل، واصلت اليابان مسيرتها الثامنة بلا هزيمة، وأرسلت رسالتها بلغةٍ يفهمها الجميع: الساموراي الأزرق لا يحارب الريح — بل يروّضها.