أنيس حاج موسى يكتب بالقوس ما عجزت هولندا عن محوه — الجزائر جاهزة للمونديال

في روتردام، حيث تعوّد ملعب دي كويب أن يبتلع الأصوات ويُعيدها أغنيةً لأصحابه، صمتت الجماهير فجأة في الدقيقة السادسة والثمانين. لم يكن الصمت من فراغ، ولم يكن مصادفة. كان توقيعاً كتبه رجل جزائري بقدمه اليسرى في الزاوية العليا، على ملعب يعرفه جيداً، أمام جمهور اعتاد أن يُحيّيه لا أن يصمت أمامه.
ملعب يعرف موسى، لكنه لم يتوقعه هكذا
أنيس حاج موسى ليس غريباً عن دي كويب. هنا يلعب أسبوعاً بعد أسبوع مع نادي روتردام، هنا يعرف كل زاوية في العشب، وكل صدى في المدرجات. لكن هذه الليلة كانت مختلفة تماماً. جاء بقميص أخضر، بمهمة أكبر من أي دوري، وبرسالة لا تُكتب بالكلام.
حين استقبل الكرة في الدقيقة 86 واجه أمامه جوريل هاتو، المدافع الذي يعرف تكتيكاته جيداً من المران والمباريات. لكن موسى تلاعب به كمن يعزف لحناً حفظه عن ظهر قلب، خطوة لليمين، توقف مفاجئ، ثم أطلقها — مقوّسة، حالمة، دقيقة، لا تعرف التردد — لتشق الهواء الهولندي وتستقر حيث لا تصل أصابع حارس مهما مدّ يديه.
سكت الملعب. وتكلّم القميص الأخضر.
شوط أول تحت وطأة البرتقالي
لم تكن البداية سهلة على الجزائر البتة. هولندا دخلت المباراة بنوايا واضحة، تريد أن تُثبت لنفسها قبل العالم أنها جاهزة لأكبر بطولة كروية على وجه الأرض. وبعد ثماني دقائق فقط، كادت تفتتح التسجيل حين انطلق دونيل مالين في هجمة سريعة وأطلق تسديدة قوية، لتُجيب عنه القائم بالنيابة عن لوكا زيدان.
ثم جاء كريسينسيو سومرفيل، الوجه الجديد في تشكيلة المنتخب الهولندي، يحلم بأن يُسجّل أول مساهمة له بالقميص البرتقالي. اعتقد أنه فعلها حين مرر الكرة لتيجاني رايندرز، لكن حكم الخط كان أسرع منه، ورفع علمه بحسم ليُعيد إليه الحلم مؤجلاً. وعاد مالين ليحاول مرة أخرى بعدما هيأ له سومرفيل كرة ذهبية، لكن تسديدته طارت بعيداً عن الزاوية التي يبحث عنها.
في المقابل، لم تكن الجزائر مجرد متفرج. محمد الأمين عمورة افتك الكرة من يان بول فان هيكه بشراسة وذكاء، ورياض محرز — الذي لا يزال يقرأ الملاعب بعيون الساحر — أطلق تمريرة بينية رائعة كادت أن تفتح الباب. لكن ميكي فان دي فين كان هناك، يرمي بجسده على العشب في تدخل انزلاقي مذهل أنقذ مرماه وأنقذ الشوط. وبعد الركنية الناتجة، سدد نبيل بن طالب بقوة، غير أن فيربروخن احتضن الكرة بهدوء وكأنه كان ينتظرها.
انتهى الشوط الأول بالتعادل السلبي، لكن تحت السطح كان يغلي شيء ما.
يا للشوط الثاني من مشهد
فتح المدربان صندوق التغييرات على مصراعيه مع بداية الشوط الثاني، إذ دخل أحد عشر لاعباً دفعة واحدة ليعيدا رسم خريطة المباراة من جديد. وكاد إبراهيم مازة أن يُحدث أثراً فورياً بعد دخوله مباشرة، حين أطلق تسديدة محوّلة مرت بجوار القائم بأنفاس ضيقة، فأوقف القلوب لثانية قبل أن تستأنف النبض.
هولندا بدورها لم تتوقف عن المحاولة. مالين انطلق خلف الدفاع الجزائري بسرعته المعهودة لكنه أخطأ في اللمسة الأخيرة. جاستن كلويفرت أطلق تسديدة من بعيد كانت تستحق أفضل من زيدان، لكن الحارس الشاب قرأها وأبعدها ببراعة. ثم حاول كلويفرت أن يصنع الفارق بطريقة أخرى، تبادل تمريرات سريعة ورائعة مع جاكبو، وبدا للحظة أن الشباك ستهتز، لكن الكرة لم تجد طريقها إلى الداخل.
المباراة كانت تسير نحو التعادل، وكان الجميع يقبل بذلك. الجميع إلا موسى.
لا يوجد في كرة القدم ما هو أقسى من الهدف المتأخر حين يُسكت ملعباً بأكمله. وأنيس حاج موسى يعرف هذا جيداً، لأنه صنعه بيديه — أو بقدمه بالأحرى.
استقبل الكرة، نظر، وفكّر في أجزاء من الثانية بما لا يفكر فيه كثيرون. تلاعب بهاتو، فتح له زاوية لا يراها إلا من يملك هذا النوع من الهدوء، ثم أطلقها. مقوّسة تسافر من قدمه إلى الزاوية العليا، تتجاوز الحارس وتستقر في الشباك بطريقة تجعلك تعيد مشاهدتها مرات ومرات.
صمت دي كويب. وابتسم الخُضر.
ما تعنيه هذه الليلة
الأرقام تقول الكثير. الجزائر لم تخسر إلا مرتين في آخر ثماني عشرة مباراة، وإحدى الخسارتين كانت على ركلات الترجيح — أي أن الهزيمة الحقيقية في الوقت الأصلي كانت مرة واحدة لا غير. وهولندا التي جاء إليها الجزائريون بصدر رحب فقدت سلسلة مباريات خالية من الهزيمة امتدت عشر مباريات متتالية.
لكن ما لا تقوله الأرقام هو ذلك الشعور الذي ينمو بهدوء داخل مجموعة الخُضر. شعور فريق يعرف ما يريد، ويعرف كيف ينتظر، ويعرف متى يضرب.
كأس العالم 2026 على الأبواب، والجزائر لا تصرخ ولا تتباهى. هي تكتب رسائلها بهدوء، مباراة بعد مباراة، هدفاً بعد هدف.
وأنيس حاج موسى، في تلك الليلة الروتردامية، كان يمسك القلم.