“الرابونا”.. لمسة فنية صنعتها أقدام ريكاردو إنفانتي

تُصنّف “الرابونا” ضمن أروع المهارات التي يُبرز بها اللاعب إبداعه على المستطيل الأخضر، وقد عبرت الزمن من الملاعب الأرجنتينية لتخطف الأنظار وتثير إعجاب الجماهير في المدرجات وخلف الشاشات.
الرابونا هي لمسة فنية يقوم فيها اللاعب بلف ساقه المسيطرة خلف الساق الثابتة لتسديد الكرة أو تمريرها، ما يمنحه القدرة على استخدام قدمه الأقوى في مواقف تتطلب دقة وسرعة في الأداء.
تتطلب هذه المهارة توازنًا مثاليًا وتحكمًا عاليًا في الجسد، إلى جانب جرأة كبيرة من اللاعب لتنفيذها تحت ضغط المباريات.
تُستخدم رابونا عادةً عندما يجد اللاعب نفسه في وضعية تُجبره على استخدام قدمه الأضعف، إلا أنه يختار اللجوء إلى هذه الحركة لتجاوز الموقف بطريقة فنية، سواءً بهدف تمرير الكرة أو تسديدها نحو المرمى.
الرابونا.. صناعة ريكاردو إنفانتي
تعود أصول حركة الرابونا إلى الأرجنتين، حيث شهد عام 1948 أول تنفيذ موثق لهذه المهارة من قِبل اللاعب الأرجنتيني ريكاردو إنفانتي خلال مباراة جمعت فريقه إستوديانتس دي لا بلاتا بفريق روزاريو سنترال.

أثار الهدف إعجاب الجماهير والصحافة، ما دفع مجلة El Gráfico الأرجنتينية الشهيرة إلى نشر رسم كاريكاتوري لإنفانتي وهو يرتدي زي طفل مدرسي، مرفقًا بتعليق: “الطفل الذي تغيب عن المدرسة”.
ومن هنا، وُلد مصطلح “رابونا”، حيث تعني الكلمة بالإسبانية “التهرب من المدرسة” أو “التغيب عنها دون إذن”، في إشارة إلى تهرّب إنفانتي من استخدام قدمه الأضعف.
ومع مرور الوقت، بدأت الرابونا تكتسب شهرةً واسعةً بفضل لاعبين آخرين أتقنوا هذه الحركة، مثل الإيطالي جيوفاني روكوتيلي “كوكو”، الذي ساهم في نشرها خلال سبعينيات القرن الماضي.
وقال روكوتيلي في مقابلة أُجريت معه في التسعينيات: “في كل مباراة كان المشجعون يتوسلون إليّ لأقوم بها، كانوا يتوقعونها، بالنسبة لي كانت شيئًا طبيعيًا. بدأت أرسل الكرات العرضية بهذه الطريقة عندما كنت صغيرًا جدًا. على الأقل فعلت شيئًا قبل الآخرين”.
وأضاف: “الآن يُطلق على هذه الحركة اسم رابونا لأن رونالدو فعلها، لكن بيليه نفسه قال في مقابلة إنه يتذكر لاعبًا إيطاليًا قام بها قبله: ذلك اللاعب كان أنا”.

تطور الرابونا وسبب شهرتها
مع مرور العقود، انتقلت الرابونا من كونها مجرد حركة استعراضية إلى مهارة تُستخدم بفاعلية في المواقف التنافسية.
بفضل التطور الكبير في وسائل الإعلام وظهور الإنترنت، بدأت المقاطع المصورة لهذه الحركة تنتشر على نطاق واسع، ما زاد من شهرتها عالميًا.
أصبحت الرابونا رمزًا للثقة بالنفس والإبداع الكروي، حيث استخدمها لاعبون في لحظات حاسمة، سواء في تسجيل الأهداف أو تمرير الكرات بطريقة تخدع المدافعين.
وساهمت وسائل التواصل الاجتماعي في تعزيز مكانتها، إذ تحصد المقاطع التي تُظهر تنفيذها ملايين المشاهدات، ويتفاعل معها عشاق اللعبة بشغف، مُعبّرين عن إعجابهم بقدرة اللاعبين على أداء هذه الحركة تحت الضغط.
إريك لاميلا يُعيد اكتشاف رابونا
رغم أن أصل رابونا يعود إلى الأرجنتين، إلا أن لاعبًا أرجنتينيًا آخر أعاد تقديمها للعالم بأسلوب مميز، ليذكّر الجميع بأصولها ويؤكد مكانتها كواحدة من أروع مهارات اللعبة.
إنه إيريك لاميلا، الذي سجل أهدافًا مذهلة بهذه الحركة، جعلته أحد أبرز من أتقنوها في العصر الحديث.
في عام 2014، خلال مباراة توتنهام هوتسبير ضد أستيراس تريبوليس في الدوري الأوروبي، أذهل لاميلا الجميع بتسديدة رائعة بالرابونا من خارج منطقة الجزاء، محرزًا هدفًا وُصف بأنه “أحد أروع أهداف البطولة”.

المدرب ماوريسيو بوكيتينو، الذي كان يشرف على توتنهام حينها، لم يُخفِ إعجابه بالهدف، قائلاً: “إنه واحد من أفضل الأهداف التي رأيتها في حياتي.
وأكمل: “لاميلا يمتلك موهبة استثنائية، وهذا الهدف يعكس قدرته الفريدة على تنفيذ مثل هذه المهارات”
ولم يكن ذلك الهدف الوحيد الذي سجله لاميلا بالرابونا، فقد أظهر مقطع فيديو قديم على “يوتيوب” أنه استخدم هذه الحركة عندما كان مراهقًا مع فريق ريفر بليت في الأرجنتين، وكأنه كان يسير على خطى إنفانتي، مستعيدًا جذور الحركة التي وُلدت في بلده.
الرابونا تجلب جائزة بوشكاش
لكن ذروة تألق لاميلا بهذه المهارة جاءت في ديربي شمال لندن عام 2021، حين سجل هدفًا مذهلًا بالرابونا في شباك آرسنال بالدوري الإنجليزي الممتاز. بعد ارتداد الكرة داخل منطقة الجزاء، عدّل لاميلا وضعية قدميه بسرعة، وسدد بقدمه اليسرى حول القدم الداعمة، لتسكن الكرة الشباك بطريقة أبهرت الجميع.

وكان ردّ فعل زميله في توتنهام، سيرخيو ريغيلون معبّرًا، حيث وضع يديه على رأسه في حالة من الذهول، فيما انطلقت تعليقات المذيعين على “بي بي سي” بعبارات الإعجاب حيث قال كلينتون موريسون، المهاجم السابق لكريستال بالاس: “لا أصدق ما رأيته للتو! إنه أحد أعظم الأهداف في تاريخ الدوري الإنجليزي الممتاز”.
أما المحلل الرياضي جيمي ريدناب، فأكد خلال حديثه في “سكاي سبورتس” أن الهدف يُعد “أحد أفضل أهداف البريميرليغ على الإطلاق”.
كما انضم اللاعب السابق فريدي ليونغبرغ إلى الإشادة، قائلاً: “التقنية، القوة، والتحكم.. إنه هدف من مستوى آخر”.
وكان من بين المشيدين بالهدف ايضًا الأسطورة الإنجليزية غاري لينيكر، الذي كتب على “تويتر”: “هدف رائع من لاميلا.. إنه مذهل بحق”.
نال الهدف شهرة عالمية، وحصد به لاميلا جائزة “بوشكاش” لأفضل هدف في العالم لعام 2021، التي يمنحها الفيفا سنويًا، متفوقًا آنذاك على هدف “باتريك تشيك” من منتصف الملعب في مباراة التشيك وأسكتلندا في يورو 2020 (14 يونيو 2021) وهدف “مهدي طارمي” بضربة مقصية في مباراة تشيلسي وبورتو بدوري أبطال أوروبا (13 أبريل 2021).
هدف إدريس الجبلي.. رابونا مغربية تُشعل سباق بوشكاش 2026
في واحدة من أحدث اللقطات التي أعادت مهارة “الرابونا” إلى الواجهة بقوة، خطف إدريس الجبلي، لاعب المغرب الفاسي، الأنظار بهدف استثنائي في شباك الوداد الرياضي، يوم 12 أبريل 2026، خلال مواجهة قوية في الدوري المغربي 2025/2026.
بدأت القصة في الدقيقة الثمانين، حين فضل إدريس الجبلي عدم التردد. رأى الكرة، ورأى الحارس متقدماً، ورأى الزاوية العليا فارغة. وفعل ما لا يجرؤ عليه إلا من يثق بقدميه وبلحظته — أطلق رابونا من مسافة بعيدة، وراقب الكرة تشق الهواء لتسكن الشباك.
ذهل الجمهور. وصمت ملعب الوداد للحظة، قبل أن يتحول الصمت إلى ضجيج من نوع آخر.
ما يجعل هذا الهدف استثنائياً ليس جماله وحده — بل توقيته وثقله. الدقيقة 80، والنتيجة صفر صفر، وفريق يبحث عن فوز ثمين أمام الوداد الرياضي في الدوري المغربي.
في هذه اللحظة بالذات، اختار الجبلي الرابونا. لم يختر الأمان، ولم يختر الكرة العرضية البسيطة. اختار اللقطة الأصعب في أصعب توقيت — وأحرز هدف الفوز. واحد — صفر. ثلاث نقاط لفريقه، وبطاقة دخول إلى قلوب محبي الكرة في كل مكان.
لم يكن الجبلي وحيداً في لحظته تلك. في المدرجات، جلس نور الدين أمرابط — نجم المغرب ووسط المانشستر يونايتد — يشهد ما حدث بعينيه. لاعب خاض أكبر الملاعب في العالم، ورأى في تلك اللحظة المغربية شيئاً يستحق الوقوف.
وما إن انتهت المباراة، حتى بدأت اللقطة رحلتها الموازية على منصات التواصل الاجتماعي. شاركها المغاربة أولاً، ثم العرب، ثم العالم. إشادات من كل اتجاه، وتعليقات تتساءل: من هذا الرجل؟
الجواب بسيط — إدريس الجبلي، لاعب المغرب الفاسي، الذي لم يكن يعرفه كثيرون قبل الدقيقة الثمانين، وبات اسمه على كل لسان بعدها.
الرابونا في كرة القدم لها تاريخ طويل مع الجمال والاستعراض. لكنها نادراً ما تكون الخيار الأمثل في لحظة حاسمة. لأنها تتطلب شجاعة غير عادية — شجاعة أن تُخاطر بالكرة والنتيجة في آنٍ واحد، وأن تثق بأن قدمك ستفعل ما يصعب على غيرها.
الجبلي فعل ذلك. وحين سكنت الكرة الشباك، أثبتت الرابونا مرة أخرى أنها ليست مجرد لقطة للاستعراض — بل أداة يملكها من يستحقها.
الآن، وبعد أن طاف الهدف العالم وحصد الإشادات، يبدو اسم إدريس الجبلي مرشحاً حقيقياً للمنافسة على جائزة بوشكاش التي يمنحها الاتحاد الدولي لكرة القدم سنوياً لأجمل هدف في العالم. منافسة لن تكون سهلة، لكن هدفاً بهذا المستوى يستحق أن يجلس على طاولة أجمل أهداف الموسم بكل جدارة.
لكن ما هو أهم من الجائزة — أن لاعباً مغربياً شاباً أثبت في لحظة واحدة أن الموهبة لا تعرف حدوداً جغرافية، وأن الدوري المغربي قادر على إنتاج لحظات تستحق أن يراها العالم.
أبرز اللاعبين الذين أتقنوا الرابونا
شهدت ملاعب كرة القدم عبر العقود العديد من اللاعبين الذين أبدعوا في تنفيذ هذه الحركة، ومن أبرزهم:
- دييغو مارادونا
- كريستيانو رونالدو
- إريك لاميلا
- ريكاردو كواريزما
- أنخيل دي ماريا