هالاند يعزف سيمفونية نرويجية على وقع أنين الدفاع العراقي

على ملعب جيليت، ارتفع الستار عن أمسية لم تكن كأي أمسية عادية في تاريخ كأس العالم. كان إرلينغ هالاند يقف على المسرح كعازف منفرد ينتظر إشارة البداية. وأمامه، وقفت فرقة دفاعية عراقية حاولت أن تعزف لحنها الخاص من الصمود والتحدي.
لم تنتظر النرويج طويلًا لتضرب أول أوتارها. عند الدقيقة 28، صاغ ديفيد مولر وولفه جملة موسيقية متقنة عبر الجهة اليمنى.
ثم أرسلها عرضية أرضية نحو القائم البعيد بدقة مهندس صوت محترف. وهناك، لم يكن على هالاند سوى أن يمد قدمه ليكمل النغمة الأولى من سيمفونيته. وهكذا، أعلن افتتاح أول أهدافه في تاريخ مشاركاته بالمونديال.
لكن العراق لم يكن جمهورًا صامتًا في هذا العرض. فبعد عشر دقائق فقط، قرر أمير العماري أن يرفع صوته الخاص.
فانطلق من الجهة اليسرى وصولًا إلى خط النهاية، ليصنع عرضية حملت في طياتها كل غضب “أسود الرافدين“.
وهناك، ارتقى أيمن حسين فوق الجميع، محولًا الكرة برأسية قوية إلى الزاوية السفلى. وبدت اللحظة وكأنها صرخة تحدٍ تقول: لسنا هنا لنصفّق من المدرجات فقط.
النشاز القاتل
غير أن أجمل الألحان تنكسر أحيانًا بخطأ واحد في العزف. وقبل نهاية الشوط الأول، ارتكب زيد تحسين نشازًا دفاعيًا فادحًا، حين مررها إلى الخلف بتراخٍ غير محسوب. وحين تباطأ الحارس جلال حسن في قراءة اللحظة، كان هالاند يقف كالنسر. فانقض على الكرة ومنع تشتيتها، مسجلًا هدفه الثاني. وهكذا، منح النرويج تقدمًا صنعته لمسة من الكارثة العراقية أكثر مما صنعته العبقرية النرويجية.
ورغم هذا النشاز المؤلم، لم يفقد المنتخب العراقي إيقاعه بالكامل. فقد حاول علي الحمادي وإبراهيم بايش استعادة اللحن، لكن الدفاع النرويجي وقف كجدار صوتي عازل أمام كل محاولة. وحتى أكام هاشم، سدد كرة طائرة مرت فوق العارضة بفارق ضئيل. وبدا وكأنه يعزف نغمة كادت تكون الأجمل في مساء الفريق العراقي، لولا أنها ضاعت في الهواء.
مع انطلاق الشوط الثاني، خفتت حدة الإيقاع، وبدت الأمسية وكأنها تلتقط أنفاسها. غابت الفرص الخطيرة عن المرميين، في هدوء بدا مؤقتًا أكثر منه استقرارًا. وكأن الجميع كان ينتظر الوتر الأخير الذي سيحسم الأمسية بشكل نهائي.
توقيع مارتن أوديغارد
وعند الدقيقة 76، عاد الإيقاع النرويجي للصعود من جديد. فقد نفذ مارتن أوديغارد ركلة ركنية بدقة الموسيقار الذي يعرف بالضبط أين يضع كل نغمة. فوجد البديل ليو أوستيغارد جاهزًا في الموعد. وارتقى برأسية متقنة من مسافة قريبة عزّزت تقدم “أبناء الفايكنغ” إلى الهدف الثالث.
وفي الدقائق الأخيرة من العرض، جاءت الضربة الأخيرة بشكل لم يكن أحد يتوقعه. فقد اصطدمت الكرة بالمهاجم العراقي أيمن حسين أثناء صراعه مع كريستيان تورستفيدت على خط المرمى. وتحولت بشكل ساخر إلى داخل الشباك، مسجلة الهدف الرابع للنرويج. وكأن القدر نفسه أراد أن يضيف اللمسة الأخيرة على سيمفونية لم تكن بحاجة إلى مزيد من النغمات.
الستارة تُسدل
بهذه الرباعية، لم تكتفِ النرويج بتحقيق أكبر فوز في تاريخ مشاركاتها بكأس العالم. بل أعلنت أيضًا عن عودتها الرسمية إلى المسرح الكبير بعد غياب دام 28 عامًا. وأعلنت أن هالاند وأوديغارد ورفاقهما جاؤوا هذه المرة ليعزفوا لحنًا طويلًا.
أما العراق، فرغم الخسارة القاسية، ترك انطباعًا لا يمكن تجاهله. فالفريق الذي قاتل حتى آخر لحظة، وسجل هدفًا يستحق الاحترام، ما زال ينتظر تلك النغمة الأولى. وهي النغمة التي ستمنحه أول انتصار في تاريخ مشاركاته بالمونديال. وهو عازم على ألا تكون أخطاء الليلة سوى درس قاسٍ في طريق طويل نحو النضج.