دوسكي يسجل من زاوية مستحيلة وباسل يصمد — أسود الرافدين يحرجون لاروخا في لاكورونيا

لم يكن أحد يتوقع أن تنتهي الليلة هكذا. إسبانيا في ملعبها، بنجومها، بكرتها التي تدور وتدور حتى تُدار الرؤوس. والعراق في مواجهتها — فريق لم يشارك في كأس العالم منذ أربعين عاماً، يعود إلى أكبر مسرح كروي في العالم مسلحاً بشيء واحد لا يُشترى ولا يُدرَّب: الإرادة.
انتهت المباراة بـ1-1. لكن الرقم لا يحكي كل القصة.
لاكورونيا تستقبل معركة غير متكافئة
حين صافر الحكم انطلاق المباراة في لاكورونيا، كان الجميع يعرف كيف ستبدو الصورة — إسبانيا تمسك الكرة والعراق يركض خلفها. وهكذا كان بالفعل.
فرضت إسبانيا سيطرتها منذ الدقيقة الأولى، وبعد ثماني دقائق فقط كادت أن تفتح الباب، حين انطلقت تسديدة أليكس باينا القوية نحو مرمى منتخب العراق بعد أن تسللت الكرة بين قدمي المدافع زيد تحسين.
لكن أحمد باسل كان هناك. تصدى بثقة وهدوء وكأنه يعرف أن الليلة ستكون طويلة وأنه لا يملك ترف الخطأ. تصدية واحدة أعطت المنتخب العراقي نفساً. لكن الهدف كان قادماً لا محالة.
توريس يضرب والعراق لا يرتجف
في الدقيقة الخامسة عشرة، أطلق بورخا إيغليسياس تمريرة ذكية شقت الدفاع العراقي كالسكين، ووجد فيران توريس نفسه وجهاً لوجه مع الهدف. لم يتردد — تسديدة متقنة، والكرة في الشباك.
تأخر العراق. والمنطق كان يقول إن الأمر انتهى، أو على الأقل أن لاروخا ستُضاعف تقدمها قريباً. لكن أسود الرافدين لا يقرؤون المنطق حين يرتدون قميصهم الوطني.
دوسكي يكتب اسمه في التاريخ من زاوية مستحيلة
الدقيقة السابعة والعشرون. الكرة وصلت إلى ميرخاس دوسكي في مكان لا يسجل منه لاعبون من عيار توريس، فما بالك بلاعب يخوض أولى مشاركاته الحقيقية مع المنتخب.
الزاوية ضيقة حتى الاستحالة. الحارس خوان غارسيا واقف يغطي أكبر قدر ممكن من المرمى. المنطق يقول مرّرها. لكن دوسكي نظر، وقرر، وأطلقها — تسديدة جريئة تجاوزت الحارس وسكنت الشباك في الزاوية التي لم يكن يتوقعها أحد.
أول أهداف الظهير الأيسر بقميص المنتخب العراقي. وأيّ هدف.
صمت الملعب للحظة. ثم أدرك الجميع ما حدث. العراق يعادل إسبانيا في عقر دارها.
باسل يُديم المعجزة
لم تقبل إسبانيا بالأمر ببساطة. توريس واصل تهديده بلا توقف، وفي لحظة بدت فيها كرته متجهة نحو الزاوية العليا، مد أحمد باسل أصابعه في آخر لحظة وحوّل الكرة إلى العارضة. لم يكن الهدف، لم يكن التصدي الاعتيادي — كانت أصابع حارس رفض أن يُهزم.
وبعدها داني أولمو، الذي استقبل تمريرة بينية رائعة من توريس، وجد في طريقه باسل مرة أخرى. التصدية الثانية. والعراق لا يزال في المباراة.
في المقابل، كان ماركو فرج يُقلق الدفاع الإسباني بما يكفي لجعل مارك برنال وغافي يفقدان أعصابهما — بطاقتان صفراوان بسبب إيقاف فرج بطرق غير قانونية. إسبانيا تنزعج. والعراق يبتسم.
الدفاع العراقي يتحدث في الشوط الثاني
فتح الشوط الثاني على ثمانية تبديلات دفعة واحدة، وكاد خيسوس رودريغيز أن يسجل فور دخوله بتسديدة مرت بجوار القائم بأنفاس ضيقة. ثم جون مارتين يرتفع لركنية لكن رأسيته تخذله. ثم غونزالو غارسيا يجد أمامه فرصة ذهبية بعد عرضية منخفضة من باينا لكنه يهدرها.
الفرص تتراكم أمام إسبانيا، والدفاع العراقي يصمد. ليس بالحظ، وليس بالعشوائية — بل بتنظيم وإصرار وإيمان بأن النقطة ستبقى في الجيب حتى النهاية.
وهكذا كان. صافر الحكم النهاية والتعادل قائم. ثلاث مباريات متتالية دون هزيمة لأسود الرافدين قبل انطلاق مغامرتهم الكبرى.
ماذا يعني هذا التعادل؟
لإسبانيا، رقم يُضاف إلى سجل يحمل هزيمة واحدة في آخر تسع وعشرين مباراة. لكنه تعادل في غياب عناصر أساسية وبحضور لاعبين قد لا يكونون في القائمة النهائية — فلا يحمل دلالات تقنية عميقة.
أما للعراق فالحكاية مختلفة تماماً. فريق يعود إلى المونديال بعد أربعين عاماً، واجه بطل العالم السابق على أرضه، وخرج برأس مرفوع وبنقطة ثمينة ومعنويات لا تُقدّر بثمن. فرنسا والنرويج والسنغال في المجموعة التاسعة ينتظرون، وما رأوه في لاكورونيا كافٍ لأن يُعيدوا حساباتهم.
رسالة من لاكورونيا
دوسكي سجل من حيث لا يُسجَّل. وباسل صمد حين لا يُصمد. والعراق فعل ما لم يتوقعه أحد.
أسود الرافدين لم يأتوا إلى المونديال ليكملوا العدد. جاؤوا ليقولوا شيئاً. وفي لاكورونيا، بدأوا الكلام.