أسود الأطلس لا يهابون راقصي السامبا — والتعادل تاج يليق بمن خاض الحرب بلا رهبة
تعادل المغرب مع البرازيل 1-1 في مجموعات كأس العالم 2026

ثمّة لحظاتٌ في كرة القدم لا يصنعها التاريخ وحده، ولا يُحسمها العدد الذهبي للألقاب. لحظاتٌ تُقرّر فيها إرادةُ رجالٍ يقفون في مواجهة الأسطورة أن يقولوا: نحن هنا، وليس في نيّتنا الرحيل مبكرًا.
في مانشستر، حيث تنفّست المجموعة الثالثة من كأس العالم 2026 أولى أنفاسها، لم يدخل المغرب المباراة بوصفه ضيفًا مؤدّبًا. دخل بوصفه صاحب بيت.
حين يتوقف قلب الأسطورة
خمسة ألقاب عالمية، وإرثٌ من السامبا يُغنّيه الزمن منذ عقود. هكذا وصل “السيليساو” إلى الملعب — وكأنّ النتيجة مكتوبةٌ سلفًا، والمغرب جزءٌ من السيناريو لا شريكٌ فيه.
غير أنّ “أسود الأطلس” قرأوا السيناريو وقرّروا تمزيقه.
منذ الدقائق الأولى، عانى الدفاع البرازيلي مما لم يعتده — ضغطٌ حقيقي، وأسنانٌ تعضّ. تصدّى غابرييل ماغالهايس لتسديدة نيل العيناوي الخطرة إثر تمريرة متقنة من نصير مزراوي، فأنقذ ما كان يمكن أن يُحرج الذاكرة البرازيلية في دقائقها الأولى. وأهدر المغرب فرصًا محقّقة أخرى كانت كافيةً لتغيير وجه الحكاية كليًّا.
صيباري يرسم اللوحة الأولى
بعد ربع ساعة، بدأت البرازيل تستعيد أنفاسها وتُرتّب صفوفها. تراجع المغرب بذكاءٍ إلى مناطقه الدفاعية، لكنّه لم يتخلَّ عن حلمه — بل حوّل الانتظار إلى سلاح.
في الدقيقة الحادية والعشرين، تفجّر ذلك السلاح. انطلقت هجمةٌ مرتدة كالبرق، بدأها المدافعون وأكملها إبراهيم دياز بتمريرةٍ لمسها القدر قبل أن تصل إلى إسماعيل الصيباري. انفرد الصيباري بالمرمى، وبهدوء الواثق من نفسه سدّد كرةً ساقطة رائعة فوق أليسون بيكر، فسكنت الشباك وسكنت معها أنفاس الملعب.
هدفٌ لم يولد من صدفة، بل من فلسفة.
فينيسيوس يُسكت الصخب — مؤقتًا
لم تسمح البرازيل لنفسها بالاستسلام لصدمة الهدف طويلًا. وبعد نصف ساعة من اللعب، أطلق فينيسيوس جونيور توغّله المعتاد من الجهة اليسرى، وأرسل تسديدةً قوية سكنت الزاوية البعيدة. تعادل يليق باسمه، لكنّه لم يُعِد للبرازيل هيبتها المفقودة.
وقبل صافرة الاستراحة، كاد لوكاس باكيتا أن يقلب الحكاية، لكنّ ياسين بونو كان حارسًا يقرأ القدر — فأبعد محاولته الأكروباتية ببراعةٍ أسدل بها ستار الشوط الأول على تعادل لا يُرضي أحدًا ويُنصف الجميع.
الشوط الثاني — حربٌ بلا بارود
أجرى أنشيلوتي تبديلَين اضطراريَّين في مستهل الشوط الثاني، إذ خرج كاسيميرو وروجر إيبانيز اللذان جمعا بطاقتين صفراوتين، فحلّ محلّهما دانيلو وفابينيو. منح ذلك البرازيل مزيدًا من التوازن، لكنّ التوقفات المتكررة سرقت من المباراة إيقاعها وحوّلتها إلى شدٍّ عصبي أكثر منها قتالًا كرويًّا.
أهدر رافينيا فرصةً جيدة حين تصدّى بونو لتسديدته إثر عرضية من فينيسيوس. وفي الدقائق الأخيرة، أطلق العيناوي قذيفةً من خارج المنطقة كادت تختم الحكاية بفصلٍ مغربي، غير أنّ أليسون سدّ الطريق.
التعادل تاجٌ لا عقوبة
انتهت المباراة 1-1. واصلت البرازيل سلسلتها في الافتتاحيات دون هزيمة للمرة الحادية والعشرين، لكنّها انتهت بعينين مثقلتين بالأسئلة.
أمّا المغرب، فخرج بشيء أكبر من نقطة. خرج بدليلٍ دامغ أنّ “أسود الأطلس” لا يهابون الأساطير — بل يجلسون معها على طاولة واحدة، ويتفاوضون على التاريخ بشروطهم هم.
التعادل أحيانًا ليس منتصف الطريق بين الفوز والهزيمة. أحيانًا هو الفوز الكامل لمن دخل الحرب دون رهبة، وخرج منها دون جرح.